دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 32
إتيانهم بسورة من مثله لكونه ( 1 ) محالا ، والظّرف أعني قوله : مِنْ مِثْلِهِ متعلّق ب فَأْتُوا والضّمير ل عَبْدِنا ( 2 ) أو صفة ( 3 ) لسورة ، والضّمير ل نَزَّلْنا ( 4 ) أو ل عَبْدِنا . فإن قلت : لم لا يجوز ( 5 ) على الأوّل أن يكون الضّمير لما نزّلنا ؟ [ الكلام حول قوله تعالى : [ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ] ] ( 1 ) أي لكون الإتيان بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ محالا من جهة أنّ ذلك خارج عن وسعهم وطاقتهم ، فإذا حاولوا بعد سماع الصّيغة ذلك الإتيان ولم يمكنهم ظهر عجزهم . ( 2 ) فالمعنى حينئذ وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا من شخص مماثل لعبدنا في كونه أميّا لا يكتب بسورة ، فالمأتي منه موجود والمأتي به معجوز عنه . ( 3 ) عطف على قوله : « متعلّق ب ( فأتوا ) فلا أي أو الظّرف صفة لسورة ، بعد كونه متعلّقا بمحذوف ، فيكون الظّرف مستقرّا كما أنّه على الأوّل يكون لغوا . ( 4 ) أي الضّمير مِنْ مِثْلِهِ يرجع إلى مِمَّا نَزَّلْنا في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا الآية ، أو يرجع إلى عَبْدِنا فيكون المعنى على الأوّل : فأتوا بسورة من وصفها أنّها من مثل ما نزّلنا في حسن النّظم ، وغرابة البيان ، أي من جنسه ، فتكون ( من ) تبعيضيّة مشوبة ببيان ، وعلى الثّاني : فأتوا بسورة كائنة من مثل عبدنا ، ف ( من ) على هذا ابتدائيّة ، ويراد على هذا الوجه بمثل عبدنا مثله في مطلق البشريّة ، من غير شرط الأمّيّة لعجز الكلّ ، فالمعجوز عنه على كلا الوجهين هو السّورة الموصوفة بصفة هي كونها من جنس المنزّل ، أو من مثل عبدنا ، ومعلوم أنّ الّذي يفهم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور ، أنّ الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه ، كما يقال : ائتني بثوب ملبوس للأمير ، فملبوس الأمير موجود ، وامتنعت القدرة عليه أو لعدم القدرة على الموصوف ، لانتفاء وصفه ، فيلزم امتناع الإتيان به بذلك القيد ، كما يقال : ائتني بثوب قدره أربعون ذراعا ، والفرض أنّه لا ثوب موصوف بهذا الوصف ، وإنّما كان المفهوم من هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أنّ الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه ، فيفهم أنّ الامتناع لامتناع الوصف ، أو لامتناع تناول الموصوف لعدم القدرة عليه . ( 5 ) وحاصل الإشكال : هو أن يقال : لم جوّزتم في الضّمير على التّقدير الثّاني وهو كون الظّرف صفة لسورة أن يكون لما نزّلناه ، وأن يكون لعبدنا ، وخصّصتموه على الأوّل بعبدنا ، ولم لا يجوز أيضا أن يكون لما نزّلناه .