تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وشدّة شكيمته ( 1 ) ، فما ظنّكم بعذاب ( 2 ) يكون المعذّب ( 3 ) به مثله ( 4 ) [ ولهذا ( 5 ) قال :
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
( 31 ) ] زيادة لتعريف حاله ، وتهويل عذابه ( 6 ) والاستبعاد ( 7 ) نحو :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
« 1 » ( 8 ) فإنّه لا يجوز حمله على حقيقة الاستفهام ، وهو ظاهر ،
شرح
( 1 ) أي شدّة طبيعته وشوكته . ( 2 ) أي بعذاب مهين شديد ، فهو أخوف وأشدّ وقد نجّيتكم منه فلتشكروني . ( 3 ) أي ينبغي أن يضبط المعذّب على اسم الفاعل . ( 4 ) أي مثل فرعون الموصوف بفرط العتوّ وشدّة الشّكيمة ، وتوضيح ما في المقام أن تقول : إنّ المراد بهذا الاستفهام تفظيع أمر فرعون والتّهويل بشأنه ، وهو مناسب هنا ، لأنّه لمّا وصف عذابه بالشّدّة زيادة في الامتنان على بني إسرائيل بالإنجاء منه ، هوّل بشأن فرعون ، وبيّن فظاعة أمره ليعلم بذلك أنّ العذاب المنجى منه غاية في الشّدّة حيث صدر ممّن هو شديد الشّكيمة عظيم العتوّ ، فكأنّه قيل : نجّيناهم من عذاب من هو غاية في العتوّ والتّجبّر ، وناهيك بعذاب من هو مثله ، وحينئذ فاللّائق أنّكم تشكروني ، فكيف تكفروني ! ( 5 ) أي ولأجل التّهويل بشأن فرعون قال :إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ( 31 ) أي في ظلمه من المسرفين في عتوّه ، فكيف حال العذاب الّذي يصدر من مثله . ( 6 ) أي عذاب فرعون ، أشار بهذا إلى أنّ تعريف حاله من حيث تهويل عذابه لا من حيثيّة أخرى .

[ أو للاستبعاد ]

( 7 ) أي عدّ الشّيء بعيدا ، والفرق بينه وبين الاستبطاء : إنّ الاستبعاد متعلّقه غير متوقّع ، والاستبطاء متعلّقه متوقّع غير أنّه بطيء في زمن انتظاره . ( 8 ) والشّاهد : في مجيء أنّى للاسبعاد لاستحالة حقيقة الاستفهام عليه تعالى ، فطلب له معنى مجازيّ ، والمناسب هنا هو استبعاد تذكّرهم بدليل قوله :وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ( 13 ) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُفكأنّه قيل من أين لهم التّذكّر والرّجوع للحقّ ، والحال إنّه قد جاءهم رسول يعلمون أمانته ، فتولّوا وأعرضوا عنه ، بمعنى أنّ الذّكرى بعيدة من حالهم . والعلاقة بين الاستفهام والاستبعاد : إنّ الاستفهام مسبّب عن استبعاد الوقوع ، لأنّ بعد الشّيء يقتضي الجهل به ، والجهل به يقتضي الاستفهام عنه .
هامش
( 1 ) سورة الدّخان : 13 و 14 .