Skip to main content

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 263

Contributors:

P.263
[ أو ليتمكّن ( 1 ) في النّفس فضل تمكّن ] لما جبّل اللّه النّفوس عليه من أنّ الشّيء إذا ذكر مبهما ، ثمّ بيّن كان أوقع عندها ( 2 ) [ أو لتكمل لذّة العلم به ] أي بالمعنى ( 3 ) لما لا يخفى من أنّ نيل ( 4 ) الشّيء بعد الشّوق والطّلب ألذّ [ نحو :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
« 1 » ( 5 ) فإنّ
رَبِّ اشْرَحْ
يفيد طلب شرح لشيء ماله ] أي للطّالب .
Commentary

[ ليتمكّن في النّفس فضل تمكّن ]

( 1 ) عطف على قوله : « ليرى » فالمعنى أو أنّ الإيضاح بعد الإبهام ليتمكّن ذلك المعنى الموضّح بعدما كان مبهما في نفس السّامع زيادة تمكّن ، وذلك عند اقتضاء المقام ذلك التمكّن ، لكون المعنى ينبغي أن يملأ به القلب لرغبة أو لرهبة أو أن يحفظ لتعظيم أو عمل به . ( 2 ) أي عند النّفس ، والسّرّ في ذلك أنّ ورود المبهم يوجب توجّه النّفس إليه ، وتأمّله التّامّ نحوه ليجد طريقا موصلا إليه وأمرا رافعا لإجماله ، فإذا وقع الإيضاح في حال ذلك التّوجّه التّامّ ، والسّعي في تحصيله لينحفظ كمال الانحفاظ ، ثمّ إنّ هذا التّمكّن نكتة مستقلّة مع قطع النّظر عن كمال اللّذّة ، وإن كانا حاصلين معا . ( 3 ) أي لتكمل لذّة العلم بالمعنى للسّامع بسبب إزالة ألم الحرمان الحاصل بسبب عدم علمه بتفصيله ، وذلك لأنّ الإدراك لذّة ، والحرمان منه مع الشّعور بالمجهول بوجه ما ألم ، فإذا حصل له العلم بتفصيله ثانيا حصل له لذّة كاملة ، لأنّ اللّذّة عقب الألم أتمّ من اللّذّة الّتي لم يتقدّمها ألم ، إذ كأنّها لذّتان ، لذّة الوجدان ولذّة الخلاص عن الألم . ( 4 ) أي حصول الشّيء للشّخص بعد الشّوق الحاصل من الإشعار بالشّيء إجمالا ألذّ من نيله بدون ذلك ، لأنّ فيه لذّتين لذّة الحصول ، ولذّة الرّاحة بعد التّعب . ( 5 ) الشّاهد في قوله تعالى حكاية عن موسى على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام قال :رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِيحيث إنّ هذا المثال صالح لكلّ من النّكات الثّلاثة ، فالإيضاح فيه بعد الإبهام على بيّنه المصنّف إمّا ليرى المعنى في صورتين مختلفتين أو ليتمكّن المعنى في قلب السّامع ، أو لتكمل لذّة العلم به . لا يقال : إنّ المخاطب بهذا الكلام هو الرّبّ تعالى وتقدّس ، ولا يصحّ أن يقال : ج إنّ موسى خاطبه بما يفيده علمين هما بالنّسبة إليه خير من علم واحد ، ولا يصحّ أن يقال : إنّه خاطبه بما فيه تمكّن المعنى في ذهن السّامع ، ولا أنّه خاطبه بما يفيد كمال لذّة العلم للمخاطب .
Footnote
( 1 ) سورة طه : 25 .