تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
نحو :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
« 1 » ( 1 ) ] فالعقل ( 2 ) دلّ على أنّ هنا حذفا ( 3 ) ، إذ الأحكام الشّرعيّة إنّما تتعلّق بالأفعال ( 4 ) دون الأعيان ( 5 ) ، والمقصود الأظهر من هذه الأشياء المذكورة في الآية ( 6 ) تناولها ( 7 ) الشّامل للأكل وشرب الألبان ، فدلّ على تعيين المحذوف .
شرح
( 1 ) والشّاهد في الآية : كونها من قبيل إيجاز الحذف لمكان حذف المضاف وهو تناول ، وكان في الأصل : حرّمت عليكم تناول الميتة ، والدّليل على أصل الحذف هو العقل ، لأنّه يدرك بأنّ الحرمة لا تتعلّق بالأعيان ، لأنّ الحرمة عبارة عن طلب التّرك مع المنع من الفعل ، ولا معنى لطلب ترك الأعيان بدون ملاحظة تصرّفها ، والدّليل على التّعيين كون التّناول هو المقصود الأظهر ، فإنّ المتبادر عرفا من حرّمت الميتة هو التّناول ، والأكل ، كما أنّ المتبادر من حرّمت الخمر ، الشّرب ، ومن حرّمت الأمّهات النّكاح ، وبهذا التّقرير علم أنّ العقل ليس بنفس الدّليل ، بل إنّما هو مدرك لما يكون دليلا على الحذف ، وهو في المقام عدم تصوّر تعلّق الحرمة بالأعيان ، فإنّ الأحكام الشّرعيّة متعلّقة بأفعال المكلّفين لا بالأعيان الخارجيّة . ( 2 ) ظاهر هذا الكلام أنّ العقل هو الدّالّ على الحذف ، وليس كذلك ، بل المراد بكون العقل دالّا على الحذف ، أنّه مدرك لذلك بالدّليل القاطع ، والدّليل هو عدم تصوّر تعلّق الحرمة بالأعيان كما سبق . ( 3 ) أي شيئا محذوفا ، وهو محتمل لأن يقدّر حرّم عليكم أكلها ، أو الانتفاع بها ، أو تناولها أو التّلبّس بها . ( 4 ) أي أفعال المكلّفين وهو الحقّ ، إذ لا معنى لتعلّق التّكليف بالذّواتّ لعدم القدرة عليها . ( 5 ) أي دون الذّواتّ كما هو ظاهر الآية ، فإنّ مدلولها تحريم ذوات الميتة . ( 6 ) وهي الميتة والدّم ولحم الخنزير . ( 7 ) أي تناول الأشياء المذكورة في الآية إنّما كان التّناول هو المقصود الأظهر من هذه الأشياء نظرا للعرف والعادة في استعمال هذا الكلام ، فإنّ المفهوم عرفا من قول القائل : حرّم عليهم كذا ، تحريم تناوله ، لأنّه أشمل وأدلّ على المقصود بالتّحريم .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 4 .