ونحن اللّذون صبّحوا الصّباحا ( 1 ) ومثل قوله تعالى :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،
و
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ،
فإنّ الالتفات إنّما هو في
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
والباقي جار على أسلوبه ، ومن زعم أنّ في مثل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *
التفاتا ( 3 ) ، والقياس آمنتم ، فقد سها على ما يشهد به كتب النّحو ( 4 )
شرح
( 1 ) وجه خروج هذا المثال إنّ فيه الانتقال من ضمير المتكلّم أعني « نحن » إلى الغيبة وهو « اللّذون » إلّا أنّ هذا الانتقال ليس على خلاف مقتضى الظّاهر ، بل ممّا يقتضيه الظّاهر ، لأنّ الإخبار بالظّاهر وإن كان من قبيل الغيبة عن ضمير المتكلّم أو المخاطب إلّا أنّه جار على ظاهر ما يستعمل في الكلام فلم يجر على خلاف ما يترقّبه السّامع ، فخرج بالشّرط المذكور ، إذ لولا ذلك الشّرط لحكم بأنّ هذا التفات .
وحاصل الكلام أنّه لولا ذلك القيد لدخل جميع هذه الأمثلة في الالتفات ، لأنّه قد عبّر فيها عن معنى بطريق من الطّرق الثّلاثة بعد التّعبير عنه بطريق آخر ، فخرج جميع هذه الأمثلة بذلك القيد ، لأنّ التّعبير الثّاني فيها ليس على خلاف مقتضى ظاهر الحال ، كما عرفت .
( 2 ) وجه خروج قوله تعالى عن الالتفات بعد ما كان فيه التّعبير عن المعنى وهو الذّات العليّة بطريق ، بعد التّعبير عنها بآخر ، وهو الغيبة في قوله :مالِكِ يَوْمِ الدِّينِوأَنْعَمْتَإلّا أنّ هذا التّعبير أعني -وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ- على خلاف مقتضى الظّاهر ، لأنّ الالتفات حصل أوّلا بقوله :إِيَّاكَ نَعْبُدُوالثّاني وهو قوله :وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُأتى على أسلوبه كما في كلام الشّارح فلكلّ واحد منوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُواهْدِنَاوأَنْعَمْتَبالنّظر إلىمالِكِ يَوْمِ الدِّينِوإن كان يصدق عليه أنّه انتقال من طريق إلى آخر لكنّه على خلاف مقتضى الظّاهر ، بل جار على مقتضاه نظرا إلى رعاية وحدة الأسلوب فهذه الثّلاثة خارجة بالشّرط المذكور في كلام الشّارح .
( 3 ) لأنّالَّذِينَمنادى في الحقيقة فهو مخاطب ، والمناسب له آمنتم ، فالعدول عن الخطاب إلى الغيبة التفات .
( 4 ) من أنّ عائد الموصول قياسه أن يكون بلفظ الغيبة ، وإن وقع منادى لأنّ الموصول اسم ظاهر من قبيل الغيبة ، وإن عرض به الخطاب بسبب النّداء ، وحينئذ فآمَنُواجار على مقتضى الظّاهر ، فخرج عن الالتفات بالقيد المذكور .