تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
[ ويجوز أن يكون السّبب ( 1 ) ] في حذف مفعول طلبنا [ ترك مواجهة الممدوح بطلب ( 2 ) مثل له ] قصدا ( 3 ) إلى المبالغة في التّأدّب معه ، حتّى كأنه لا يجوّز وجود المثل له ليطلبه ، فإنّ العاقل لا يطلب إلّا ما يجوّز وجوده [ وإمّا للتّعميم ( 4 ) ] في المفعول [ مع الاختصار ( 5 ) ، كقولك : قد كان منك ما يؤلم ( 6 ) ، أي كلّ أحد ] بقرينة إنّ المقام مقام المبالغة ( 7 ) ،
شرح
( 1 ) أي سبب حذف المفعول في بيت البحتري . ( 2 ) الظّرف الأوّل ، أعني « بطلب » متعلّق ب « مواجهة » ، والثّاني أعني « له » متعلّق ب « طلب » . ( 3 ) علّة للتّرك ، أي إنّما ترك الشّاعر مواجهة الممدوح بطلب مثل له ، لقصده إلى المبالغة في التّأدّب تعظيما له « حتّى كأنّه لا يجوّز وجود المثل له ليطلبه » لأنّ طلب المثل صريحا ممّا يدلّ على تجويز المثل ، بناء على أنّ العاقل لا يطلب إلّا ما يجوز ، ويمكن وجوده . لا يقال : إنّ العاقل يقع منه التّمنّي ، وهو طلب متعلّق بالمحال ، فلا وجه لقولك : إنّ العاقل لا يطلب إلّا ما يجوز وجوده . لأنّا نقول : المراد بالطّلب في المقام الطّلب بالفعل ، وهو الحبّ القلبيّ المقرون بالسّعي ، وأمّا التّمنّي فهو عبارة عن مجرّد حبّ القلب ، فمن ثمّ يتعلّق بما هو المحال . وبالجملة إنّ الغرض يناسب المبالغة في المدح ، إحالة المثل بترك التّصريح بطلبه المشعر بإمكان وجوده .

[ وإمّا للتّعميم ]

( 4 ) أي وإمّا حذف المفعول لإفادة التّعميم فيه ، وعدم قصر السّامع المفعول على ما يذكره ، كقصره المفعول على الدّرهم دون الدّينار في قولنا : فلان يعطي الدّرهم ، بخلاف ما إذا لم يذكر المفعول نحو : فلان يعطي ، فإنّه يحتمل عند الحذف أن يكون المعطى فضّة أو ذهبا أو فرسا أو إبلا ، إلى غير ذلك ، ويحتمل مع كلّ أن يكون كثيرا أو قليلا . ( 5 ) أي سبب حذف المفعول هو إفادة التّعميم مع الاختصار ، فيتوصّل فيه بواسطة تقليل اللّفظ بحذف المفعول إلى تكثير المعنى أعني العموم . ( 6 ) أي ما يوجع ، لأنّ قوله : « يؤلم » من الإيلام ، بمعنى الإيجاع ، والمعنى « قد كان منك ما » أي صفة ذميمة ، وهي إيجاع كلّ أحد بشكل عامّ . ( 7 ) أي بقرينة أنّ مورد الكلام مورد المبالغة في الوصف بالإيلام ، فيكون هذا المقام والمورد قرينة على إرادة العموم في ذلك المفعول ، وأنّه ليس المراد ما يؤلمني أو يؤلم بعض النّاس ، أو نحو ذلك ، بل المراد ما يؤلم كلّ أحد .