تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لأنّه ( 1 ) أراد أن ( 2 ) يقول : أفناني النّحول فلم يبق منّي ( 3 ) غير خواطر تجول ( 4 ) فيّ ، حتّى لو شئت البكاء ( 5 )
شرح
يتصور إذا كان المبيّن - بالكسر - عين المبيّن - بالفتح - ، وما في البيت ليس كذلك ، لأنّ المراد بالأوّل هو البكاء الحقيقي ، فلا يصحّ بيانه بالثّاني . والحاصل إنّ المصنّف لما ذكر أنّ مفعول فعل المشيئة يحذف للبيان بعد الإبهام ، ما لم يكن غريبا . يرد عليه بهذا البيت ، ويقال : إنّ المفعول فيه غير غريب ، ولم يحذف ، فأجاب بأنّه ليس ممّا فيه بيان بعد إبهام ، ويحصل الرّد على صدر الأفاضل أيضا ، كما لا يخفى . والمتحصّل من الجميع إنّ ذكر مفعول المشيئة ليس لأجل غرابة تعلّق المشيئة به على كلا التّقديرين ، إذ لو كان المراد بالبكاء الأوّل البكاء التّفكّري لوجب أن يقول : لو شئت أن أبكي تفكّرا بكيت تفكّرا ، وذلك لغرابة تعلّق المشيئة بالبكاء التّفكّري . ( 1 ) تعليل لما ذكره من أنّ المراد بالأوّل البكاء الحقيقي ، لا البكاء التّفكّري ، وحاصل التّعليل : إنّ الكلام مع إرادة البكاء الحقيقي من الأوّل أنسب بمراد الشّاعر ، وهو المبالغة في فنائه حتّى أنّه لم يبق فيه مادّة سوى التّفكّر ، حيث إنّه يكون المعنى على هذا التّقدير ، لو طلبت من نفسي بكاء لم أجده ، بل أجد التّفكّر بدله ، وأمّا لو كان المعنى لو شئت أن أبكي تفكّرا بكيته ، لم يفد أنّه لم يبق فيه إلّا التّفكّر ، لصحّة بكاء التّفكّر الّذي هو الحزن عند كثرته ، مع بقاء مادّة أخرى . ( 2 ) أي أفناني من الإفناء أي جعلني النّحول ، أي الهزال فانيا ، يعني أراد الشّاعر أن يقول : أضعفني الحزن والهزال والضّعف . ( 3 ) أي فلم يبق الشّوق منّي غير خيالات ، وتفكّر تردّد في قلبي . ( 4 ) أي تردّد في قلبي ، أعني تذهب وتأتي . ( 5 ) أي البكاء الحقيقي ، أعني الدّمع .