[ الدّيباجة ]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( 1 ) نحمدك ( 2 )
شرح
( 1 ) من عادة كلّ مسلم أن يبدأ بالبسملة كتبا فيما إذا أراد أن يكتب رسالة أو كتابا ، ويبدأ بها تلفّظا فيما إذا أراد فعلا من الأفعال لأنّها شعار إسلاميّ ودينيّ ، فيجب لكلّ مؤمن أن يتّخذها شعارا في مقابل كلّ مشرك وملحد ، هذا ملخّص الوجه في ذكر البسملة ، وانتظر تفصيل الكلام في كلّ جزء من أجزاء هذه الجملة الشّريفة في خطبة الماتن .
( 2 ) إنّ الحمد هو الثّناء باللّسان على قصد التّعظيم سواء تعلق بالنّعمة أو بغيرها ، والمراد بالثّناء وهو الذّكر بخير ضدّ النّشاء وهو الذّكر بشرّ ثمّ الثّناء اسم مصدر من أثنيت بمعنى ذكرت بخير ، لا من ثنّيت بمعنى كررت وذلك لتحقّق الحمد عند الوصف بالجميل من دون حاجة إلى التّكرار . واختار التّعبير بالحمد على التّعبير بالشّكر والمدح ، أي لم يقل أشكرك أو أمدحك لوجوه :
الأوّل : للاقتداء بالقرآن العظيم وفيهالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ).
الثّاني : للعمل بحديث « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم » .
الثّالث : للتّنبيه على أنّه تعالى فاعل مختار كما عليه المسلمون الأخيار .
ثمّ الوجه الأوّل والثّاني وإن كانا مشتركين بين ترك التّعبير بالشّكر والمدح إلّا أنّ الوجه الثّالث يختصّ بالمدح فإنّه يشمل الثّناء باللّسان على الجميل الغير الاختياري . وهذا لا يصحّ على ما هو الحقّ من أنّ اللّه تعالى فاعل مختار . واختار الجملة الفعليّة المضارعيّة على الاسميّة والماضويّة ، لإفادتها تجدّد مضمونها على سبيل الدّوام والاستمرار والجملة الاسميّة لا تدلّ إلّا على الدّوام فقط ، والماضويّة لا تدلّ إلّا على الحدوث فقط . ومن البديهي أنّ اختيار ما يدلّ على الأمرين معا أولى مما لا يدلّ إلّا على أحدهما . فما اختاره الشّارح هنا من الجملة المضارعيّة أولى ممّا يأتي في كلام الماتن من الجملة الاسميّة حيث قال :
الحمد للّه .
وفي اختياره صيغة المتكلّم مع الغير حيث قال : « نحمدك » مع أن المقام هو مقام المتكلّم وحده إشارة إلى جلالة مقام الحمد ، وأنه من الجلالة إلى حدّ لا تفي قوّة شخص واحد في أدائه . وعدل عن الاسم الظّاهر بكاف الخطاب ، أي قال : « نحمدك » ولم يقل : نحمد اللّه ، وذلك لأنّ في الخطاب إشارة إلى قوّة إقبال الحامد على جنابه تعالى ، حتّى حمده على