تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
لمطابقة ( 1 ) ذلك الواحد الحقيقة يعني ( 2 ) يطلق المعرّف بلام الحقيقة الّذي هو
شرح
عنها ، ألا ترى إنّك إذا تعرف معنى الإنسان وتميّزه عن معاني البقر والغنم وغيرهما تعرف أفراد الإنسان وتميّزها عن أفراد البقر والغنم وغيرهما أيضا ، والسّرّ في ذلك كون الأفراد مشتملة على الحقيقة ومنشأ لانتزاعها ، وكون الحقيقة صادقة عليها ومتّحدة معها في الوجود الخارجيّ ، فكلّ فرد من أفراد حقيقة معيّنة معهود ومميّز بتبعها عن كلّ فرد من أفراد حقيقة أخرى . نعم ، كلّ فرد من هذه الأفراد لا يمكن أن يصير معهودا ومميّزا عن سائر تلك الأفراد بتبع تمييز الحقيقة عن سائر الحقائق ، بل لا بدّ في ذلك من العلم بالمشخّصات الخارجيّة فإنّ الحقيقة صادقة على جميعها بالتّواطئ ، فلا يمكن أن تقع ما به الامتياز لكلّ منها بالقياس إلى غير ما يشاركه في هذه الحقيقة . إذا عرفت ما ذكرنا فنقول : إنّ لواحد من الأفراد حظّا من التّعيّن والتّميّز في ضمن تعيّن الحقيقة وتميّزها ، وإن لم يكن له تميّز تامّ بهذا الاعتبار ، فعليه لا مانع من أن يجيء المعرّف بلام الحقيقة له ، إذ يكفي في ذلك هذا المقدار من التّميّز وليس الجمع بينهما كالجمع بين الذّئب والشّاة ، بل إنّما هو كالجمع بين العنوان والمعنون . ( 1 ) علّة لقوله : « عهديّته » أي معهوديّته في الذّهن « لمطابقة ذلك الواحد الحقيقة » ومعنى مطابقتها لها كون الواحد مشتملا عليها كاشتمال المعنون على العنوان لا كاشتمال الظّرف على المظروف أو مصداقا لها ومتّحدا لها في الخارج . ( 2 ) قوله : « يعني » إشارة إلى دفع توهّم ناش من قول المصنّف : « وقد يأتي المعرّف بلام الحقيقة لواحد من الأفراد » فإنّه موهم بظاهره أنّ المعرّف باللّام يستعمل في واحد من الأفراد كاستعمال العامّ في الخاصّ فيكون مجازا . وحاصل الدّفع : إنّ مراد المصنّف من العبارة المذكورة ليس ما يتوهّم من ظاهرها من كون المعرّف باللّام مستعملا في واحد من الأفراد حتّى يصبح مجازا ، بل مراده من الإتيان الانطباق لا الاستعمال بمعنى أنّ المعرّف باللّام قد استعمل في الجنس المعهود لا غيره ، وإنّما الفرد يستفاد من القرينة الخارجيّة ، ك ( ادخل ) في المثال الآتي ، فحيث إنّ هذا الفرد جزئيّ من جزئيّاته ومطابق له ، أي مشتملا عليه كاشتمال العنوان على المعنون ، أي ينطبق عليه كانطباق العنوان على المعنون ، فعليه ليس من المجاز عين ولا أثر ، فإنّ بين الانطباق على الفرد والاستعمال فيه فرقا لا يخفى على أحد ، فقوله : « يطلق المعرّف . . . » أي ينطبق المعرّف بلام الحقيقة .