ومع نشأة دولة المماليك الثانية ، وفي عهد أول سلاطينها الظاهر برقون ، عاد الخطر المغولي يهدد مصر بقيادة تيمور لنك الذي كان يحلم بدخول مصر بعد الشام ولكن أحلامه بدخول مصر تبددت بوفاته سنة ( 808 ه : 1405 م ) « 1 » .
أما الخطر الثاني الذي شغل سلاطين المماليك زيادة على انشغالهم بمدافعة المغول ، فهو خطر الصليبيين وإغارتهم على بلاد المسلمين ، ومحاولة استيطانهم فيها ، وما كانت الحروب التي وقعت بين الفريقين إلا امتدادا لتلك الحروب الصليبية التي اشتهرت في العصور الوسطى ، مبتدئة من عهد الفاطميين فالأيوبيين « 2 » .
فأرسل المماليك الحملات والعساكر تباعا للقضاء عليهم ، وقد تكلّلت هذه الحملات والغزوات بالنصر المبين ، واستطاعت أن تلحق الهزائم الساحقة بهم .
ففي عهد المماليك البرجية ، وفي سنة ( 829 ه ) فتح برسباي « 3 » جزيرة قبرص ، وانتصر على الإفرنج ، وأسر ملكها ( جينوس ) ، وعاد به وبسائر الغنائم والأسرى إلى مصر « 4 » ، وقد قتل في هذه المعركة من الإفرنج خلائق كثيرة ، حيث بلغ عدد القتلى في موضع الواقعة أزيد من ألفي قتيل ، أما الذي قتل في الأماكن الأخرى فلا حدّ له ولا حساب « 5 » .
كما تمكن السلطان جقمن من إرسال حملة إلى الفرنج سنة ( 844 ه ) « 6 » .
وكذلك أرسل حملة أخرى لغزو جزيرة رودس سنة ( 845 ه ) « 7 » .
وهكذا تتّضح أهمية سلاطين المماليك في ردّ عادية جحافل التتار والفرنجة في البر والبحر .
وفي الوقت الذي كانت فيه عساكر المماليك تصدّ غزو الجيوش المعادية ، وتدحرهم عن البلاد ، كان العلماء يحصّنون البلاد من الداخل فكريا وثقافيا ، وينشرون
هامش
( 1 ) انظر : السلاطين في المشرق العربي 96 - 100 .
( 2 ) انظر : النجوم الزاهرة 4 / 127 وما بعدها . وعصر سلاطين المماليك 1 / 258 - 260 .
( 3 ) وهو الملك الأشرف ، سيف الدين أبي النصر برسباي الدقماني الظاهري ، وهو الثامن من ملوك الشراكسة وأولادهم في العدد بالديار المصرية ( ت 841 ه ) بدائع الزهور 2 / 81 .
( 4 ) انظر : بدائع الزهور 2 / 107 - 109 .
( 5 ) انظر : النجوم الزاهرة 14 / 129 .
( 6 ) انظر : بدائع الزهور 2 / 224 .
( 7 ) انظر : بدائع الزهور 2 / 233 .