مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ، وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ . وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ ، وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ . وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ ، وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ ، وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً ، وَلَا تَقُولَنَّ : إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ، وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ ، وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ . وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً ، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ ، وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ ، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ ! إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ .
أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ . وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ .
وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ . وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 576
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٧٦