« المسلمون »
وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ ، وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ ، وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ ، وَيَهَابُكُمْ مَنْ لَا يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً ، وَلَا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ .
وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلَا تَغْضَبُونَ ! وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ ! وَكَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ ، فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ ، وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ ، يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ ، لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ ! الخطبة / 106 / ص 154 فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، وَالْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ . قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ ، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ ، وَتَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ . يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ! لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ، وَلَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ !