فيه بحال من الأحوال ، لأنه إذا تحقق « حد الفصاحة » وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف :
الوجه الآخر : انه إذا جئ بلفظ قبيح ، ينبو عنه السمع ، وهو مع ذلك ظاهر بين ، ينبغي ان يكون فصيحا .
وليس كذلك ، لأن « الفصاحة » وصف « حسن » للفظ لا وصف « قبح » .
فهذه الاعتراضات الثلاثة ، واردة على قول القائل : ان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين من غير تفصيل .
ولما وقفت على أقوال الناس - في هذا الباب - ملكتني الحيرة فيها ولم يثبت عندي منها ما اعول عليه ، ولكثرة ملابستي هذا الفن ، ومعاركتي إياه ، انكشف لي السر فيه ، وساوضحه في كتابي هذا .
وأحقق القول فيه ، فأقول :
ان الكلام الفصيح : هو الظاهر البين ، واعني - بالظاهر البين - :
أن تكون ألفاظه مفهومة ، لا يحتاج في فهمنا إلى استخراج من كتاب لغة ، وانما كانت بهذه الصفة ، لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر ، دائرة في كلامهم .
وانما كانت مألوفة الاستعمال ، دائرة في الكلام ، دون غيرها من الألفاظ : لمكان حسنها .
وذلك : ان أرباب النظم والنثر ، غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها ، وسبروا وقسموا ، فاختاروا الحسن من الألفاظ ، فاستعملوه ، ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه .
فحسن الاستعمال : سبب استعمالها ، دون غيرها ، واستعمالها دون
المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول — صفحة 319
مساهمون: الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني
ص٣١٩