جواز عملية الاستنباط : ما دام علم الأصول يرتبط بعملية الاستنباط ، ويحدّد عناصرها المشتركة ، فيجب أن نعرف قبل كلّ شيء موقف الشريعة من هذه العملية ، فهل سمح الشارع لأحد بممارستها « 1 » لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة ؟
والحقيقة أنّ مسألة جواز الاستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة الّتي طرحناها « 2 » لا يبدو أنها جديرة بالنقاش ؛ لأنّنا حين نتساءل : هل يجوز لنا ممارسة عمليّة الاستنباط أو لا ؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب ؛ لأنّ عملية الاستنباط - كما تقدّم - عبارة عن تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا « 3 » ، ومن البديهي أنّ الإنسان
هامش
( 1 ) . بلا اشكال أنّ الشارع المقدس سمح بهذه العملية ، بل هي واجب كفائي ، قال تعالى :وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَالتوبة : 122 .
فإنّ التفقه في الدين هو الاجتهاد هنا أي الاستنباط الّذي وجب بحكم الآية الكريمة . وقد ورد عنهم عليهم السّلام : « أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنهم حجّة عليكم وأنا حجّة اللّه » .
وكذلك : « من كان من الفقهاء صائنا نفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه فللعوام أن يقلّدوه » .
( 2 ) . لانّه سوف يأتي معنى أنّ أهل السنّة استخدموا هذه الصيغة أيضا بمعنى القول بالرأي والاستحسان والقياس .
( 3 ) . التأكيد على الاستدلال من خلال القرآن والسنّة لا كما فعل العامّة ، حيث استعانوا ، بل أدخلوا القول بالرأي والقياس والاستحسان والإجماع على أساس أنّه بحدّ ذاته مصدر مستقلّ للحكم .