ما وراءه ، وهذا هو معنى خرق الحجاب ؛ لأنّ خرق كلّ حجاب بحسبه .
وحيث إنّ المعراج كان في ساحة النور وقرب الجوار فلا حجاب هناك إلّا الحجاب النوريّ ، ولا يخرق الحجاب النوريّ إلّا بالنور المسيطر ، ولمّا كان النور الحاجب هنالك أمرا موجودا تكوينيّا فلا بدّ وأن يكون خارقة أيضا أمرا موجودا تكوينيّا لا تناله يد الجعل الاعتباريّ .
ولمّا كان التكبير هنالك خارقا للحجاب النوريّ فله - أي : للتكبير - حقيقة عينيّة تقهر ما دونها ، وحيث إنّ تلك الحجب كانت سبعة ، وكانت طوليّة لا عرضيّة ، وكلّما انخرق حجاب حصل قرب لم يكن حاصلا قبله ، فبين تلك التكبيرات السبع الخارقة أيضا ميز طوليّ لا عرضيّ ، فكلّما كبّر المصلّي تكبيرة يقرب إلى مولاه في المناجاة قربا لم يكن حاصلا قبله ، فدرجات القرب أيضا طوليّة .
ولمّا كان الحجاب موجودا خارجيّا ، وخرقه أيضا موجودا عينيّا ، وقد تبيّن أنّ النظام العينيّ هو النظام العلّيّ والمعلوليّ ، وقد استقرّ في موطنه أنّ العلّة لا بدّ وأن تكون أقوى من معلولها فعليه لا يمكن أن يؤثّر التلفّظ بالتكبير الذي يكون أمرا اعتباريّا ، أو يؤثّر تصوّره الذي هو الوجود الذهنيّ له في موجود خارجيّ عال ، بل المؤثّر فيه هو سرّ التكبير الذي هو موجود عينيّ وتكوينيّ ، ولا ينال ذلك السّر إلّا بأدب الصلاة الحاصل بحضور القلب المستتبع لخضوع الجوانح وخشوع الجوارح .
وليس ما ورد في المعراج مختصّا بتلك الحال أو مخصوصا بالرسول صلّى اللّه عليه وآله ، بل يعمّ غير تلك الحال أيضا ، كما يعمّ غير الرسول صلّى اللَّه عليه وآله ، وذلك لما روى جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ قال : كنت مع مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ، فرأى رجلا قائماً يصلّي ، فقال له : يا هذا ، أتعرف تأويل الصلاة ؟
فقال : يا مولاي ، وهل للصلاة تأويل غير العبادة ؟ فقال : إي والذي بعث محمّدا بالنبوّة ، ما بعث اللّه نبيّه - صلّى اللَّه عليه وآله - بأمر من الأمور إلّا وله تشابه وتأويل وتنزيل ، وكلّ ذلك يدلّ على التعبّد ، فقال له : علّمني ما هو يا مولاي ؟ فقال :
تأويل تكبيرتك الأولى إلى إحرامك : أن تخطر في نفسك إذا قلت : اللّه أكبر من أن
كتاب الصلاة تقرير أبحاث السيد محمد المحقق الداماد ( وتليه كتاب أسرار الصلاة ) — صفحة أسرار الصلاة 23
مساهمون: الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
صأسرار الصلاة ٢٣