فله بما فيه من المضامين خزائن إلهيّة ، قد تنزّل القرآن من تلك الخزائن الطوليّة ، كما أنّ الصلاة وغيرها معدودة من النظام الكيانيّ المعبّر عنه بالسماوات والأرض فلها أيضا خزائن ، إذ للسماوات والأرض خزائن ، ولمّا كانت تلك الخزائن عند اللَّه سبحانه -
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
، وما عند غيره فان كما قال سبحانه
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
« 1 » - فأسرار السماوات والأرض الّتي منها الصلاة موجودات خارجيّة مصونة عن النفاد ، ولا تنال إلّا بالصعود إليها بعد هجران النافد الزائل ، إذ لا يمكن الوصول إلى الباقي إلّا بعد هجرة الفاني ؛ لأنّه حجاب لا محيص عن تركه .
وممّا يدلّ أيضا على أنّ للصلاة - كغيرها - سرّا قوله تعالى
« فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ »
« 2 » لدلالته على أنّ لكلّ شيء ملكوتا يلائمه التسبيح ، بخلاف الملك الذي يناسبه التبارك كما قال تعالى
« تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ »
، حيث إنّ التبارك من الأسماء التشبيهيّة ، والسبحان من الأسماء التنزيهيّة . ولمّا كان لكلّ شيء ملكوت - وهي أمر وراء الملك ، ومن شاهدها كان من أصحاب اليقين كما قال تعالى في إبراهيم عليه السّلام
« وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ »
« 3 » - فللصلاة أيضا ملكوت تكون هي سرّها ، وتلك الملكوت ثابتة ؛ لأنّها بيد اللَّه تعالى لا بيد المصلّي ، ولا تنال تلك الملكوت السرّيّة إلّا بعد السفر من الملك .
ولعلّ قوله تعالى
« قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 4 » تلميح إلى بعض ما مرّ ؛ وذلك لأنّ وصف اللَّه الذي أنزل القرآن بأنّه عالم السرّ يشعر بأنّ للقرآن المشتمل على ما فيه من المعارف والأخلاق والأحكام سرّا فلجميع ما فيه أيضا أسرار .
نعم ، فرق بين أن يقال : إنّه عالم سرّ السماوات والأرض ، وأن يقال : هو عالم
هامش
( 1 ) النحل : 96 .
( 2 ) الأنعام : 75 .
( 3 ) يس : 83 .
( 4 ) الفرقان : 6 .