تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القانون المسعودي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩

الباب الأول في ذكر حركات القمر وحكاية الآراء في مسيره المستوي والمختلف

إن حركة الشمس والقمر إلى توالي البروج لما لم يلحق بها من مقدار البطء ما يخيل منه لهما نحو المغرب وخلاف التوالي حركة يتراءى من صفتهما بالتحير في المسير ، وقد بين بطليموس أن اختلاف حركة الشمس ممكن أن يحمل سببه على فلك تدوير مباين لمركز العالم كما يمكن أن يحمل على فلك أوج محيط به مساو للفلك الممثل أو أصغر منه أو أعظم ؛ وكذلك اختلاف مسير القمر على مثله لما شابه اختلاف مسيرة الشمس في فضل زمان بطئه على زمان سرعته ، وإنما تباينا عند بطليموس يكون صورة اختلاف الشمس ومقداره في أجزاء فلك البروج ثابتة على حال واحدة لثبات موضع أوجها وتغير ذلك للقمر حتى توجد مقادير كل واحد من السرعة والبطء في كل واحد من أجزاء فلك البروج وذلك لانتقال أوجه فيها ، ولكن لما أوجب الوجود لأوج الشمس انتقالا عاد حالهما عندنا دونه إلى التشابه ، ولم يفترقا في الحركة واختلافها إلّا في المقدار فنقول بعد ذلك إنا لما تحققنا من كسوف الشمس أنه ستر القمر إياها عنا كما تحققنا من كسوف القمر أنه منع الأرض بكمودتها ضياء الشمس عن أن يصل إلى الجهة المبصرة منه لم يكد يتصور ستر القمر إيّاها عنا إلّا على أحد وجهين إما بالمماسة وإما بالتباين ولو ماسّها لكان ما يستر منها غير مختلف المقدار عند من رآه من سكان الأرض وإن اختلفت أوقاته عندهم بسبب اختلاف أول النهار ، لكنا نجد بعض مدركيه يخالف الآخر عند اختلاف مساكنهم مخالفة شديدة في الأخبار عن مقداره حتى ربما بلغ طرفي النفي والإثبات فيحكيه قوم وينفي الآخرون كونه يومئذ أصلا فيحقق من ذلك أن ستره ليس على طريق المماسة وإنما هو بالمباينة ، ولذلك يختلف منظره كالحال في سائر الساترات إذا قربت من الناظر وبعدت عن المستور ، ولأن المباينة في ذلك قادحة في أوقات الستر فإنها هي التي صرفتنا في تعرف مواضع القمر عن الكسوفات الشمسية إلى قمريّاتها ، وذلك أن مركز الأرض والسماء لما اتّحدا وامتد ظل الأرض في خلاف جهة الشمس ثم كان مركز قرصها لازما محيط منطقة البروج
القانون المسعودي — صفحة 179 | أبو ريحان البيروني / عبد الكريم سامي الجندي