هذا ، والأمة الإسلامية لا تعدو بشأنه خطى الأمم السابقة - كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذ كلّ نبيّ قد توارى عن قومه لمّا اقتضت مصلحة دعوته ذلك : من إبراهيم إلى إدريس فصالح فيوسف فموسى ، فعيسى فمحمد صلوات اللّه عليهم . .
أفلا يصح ذلك في بقيّة اللّه في أرضه ، وحجّته على عباده ، وحامل مواريث أنبيائه ، والمخلوق الوحيد الذي يحمل ريح السماء وروح الفرج للإنسانية ؟ ! ! أجل . .
فالتاريخ الذي بين أيدينا ينبئنا أن كل إمام عايش عهود الظّلمة الذين ابتزّوا حقه ، كان لا يخرج من حبس إلّا ليتلقّى أوامر حجر أو نفي ، أو لتنتاشه شباة سيف ، أو ليسقى سمّا قتّالا ! ! !
ومن منّا لا يعرف أن الإمام الكاظم عليه السّلام مثلا كانت تجتمع إليه ثقات شيعته في السجن ؟ ! . وكان يفتيهم في حلال اللّه وحرامه والقيد في رجليه ، والغلّ في يديه ؟ .
ومع ذلك كانت تجبى إليه الأموال ، وكانت عطاياه السخيّة للمؤمّلين تفوق عطايا الملوك . . ومن من الناس لم يسمع بصرر الكاظم من الذهب والفضة التي كان يعدّها للعطايا ؟ ! .
ونلفت النظر إلى أن الفتيا كانت ميسورة في أشد أزمنة الضيق على الأئمة ، لأن السلطة كانت تضيّق عليهم لتدفعهم عن مراتبهم ولتدفع الخطر عن ملكها ، ثم تترك متنفّسا لشيعتهم وتغضّ الطرف عن الاجتماع إليهم والاستماع منهم ، لتمتصّ ما عند شيعتهم من النّقمة والسّخط . . ولكنّ حال القائم عليه السّلام تختلف عن حال آبائه بسبب أنه الثاني عشر المرصود لمعاملة الظالمين بلا هوادة وبلا مهادنة وبلا حلّ وسط . .
فقد كان آباؤه لا يزالون ماضين في تأثيل العقيدة ، وشرح القرآن وتبيانه ، وإقامة السنّة . أما هو فيأتي بسيف مخلوق لإحياء ما اندرس من ذلك ، والحاكمون له بالمرصاد منذ ولادته وفي كل حين ، إذ لو قد خرج لانتظروا قلب الأنظمة المستبدة ، ولما كان الحاكم الذي يعرفه أرحم به من أيّ واحد من الرعايا يحاول نسف الدولة وزعزعة السلطان . .
فمنذ البدء : كانت محاصرة الشرطة لدار أبيه أثناء الحمل به ، ومراقبة نساء أبيه من القوابل ، وبثّ الأرصاد والعيون حوله من عسكر أعدائه ، كانت كلها سيوفا مصلتة لاغتياله قبل أن يبصر النور ، حتى أنهم حين فشلوا في الكشف عنه قبضوا على نساء
يوم الخلاص في ظل القائم المهدي ( ع ) — صفحة 103
مساهمون: كامل سليمان
ص١٠٣