لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » . . فلأمر ما ، لا تدركه عقولنا ببداهة ، كانت الغيبة ، وكانت عن إرادة حكيم لا شك أن في تقديره حكمة لا تنالها الأفهام القاصرة ، ولا تتناول سرّها الأذهان المحدودة ضمن هذه الجمجمة العظميّة الصّلبة ، وسينكشف سرّها يوم الظهور المبارك ، فنقول للمؤمن :
تعبّد بها أصلا من أصول عقيدتك ، كالمسح على الرأس والقدمين حين الوضوء ، فلا هو غسل فنظافة ، ولا هو واضح السبب كبقية الأجزاء . . فارض بما في يديك من البراهين المأثورة عن طرق السماء التي أنزلت العقيدة بأصولها وجزئياتها كما هي ودون مشاركة اللّه في علمه . . ونقول للذي يعتمد الفكر ، ويريد أن يحلّل أسباب الغيبة زيادة عمّا سبق وعما يلحق :
فلسفها برأيك . . كيف شاء فهمك وإدراكك ، وبالشكل الذي تطمئن إليه نفسك ، ويركن إليه عقلك ويتيسّر به اقتناعك . .
ولكن إيّاك وتعجّل الأمر والبتّ . . وإيّاك وإنكارها والقطع قبل أن تنظر في سير السابقين والغابرين ! . فإنّ في ما مضى دروسا جدّ مفيدة في تحقيق ما يقع ، حتى لكأنّ الذي يضرب صفحا عن الماضي وينكره ويتنكّر إليه ، يعمل فكره في المجهول ، ويتخبّط في سراه كما تتخبّط الناقة العشواء في الليلة الظلماء . . فقس يومك على البارحة . . واعرض خطة سيرك على محكّ الفكر المستنير الذي يستفيد من سير الماضين ، وخذ درسا عن غيرك مستفيدا ممن تورّط فهلك ، وممن أحكم فنجح ، وزد على ذلك من مبتدعات ذهنك الخلّاق ما شاءت لك عبقريتك الفذّة . . . ثم نقول لمن يطلب المثل :
أولم يستتر نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شعب أبي طالب ثلاث سنوات « 2 » يخاف على نفسه مردة قريش وجبابرتها ، يحميه عمّه أبو طالب ، شيخ الأبطح وسيد الهاشميين عليه السّلام ؟ ! .
أولم يستتر قبلها في غار حراء ، محافظة على نفسه ورسالته ، وهربا ممن كان
هامش
( 1 ) الأنبياء - 23 .
( 2 ) البحار ج 51 ص 176 والكامل لابن الأثير م 1 ج 2 ص 18 .