بل من باب تقريب المطلب نقول : بأنّ لأبي حنيفة فتوى نقلها الحنفية وغيرهم ، والفتوى موجودة في كتاب المغني لابن قدامة « 1 » وغيره ، وهذه الفتوى معروفة ، وهي أنّ شخصا في المشرق تزوّج امرأة في المغرب وبعد فترة هذه المرأة جاءت بولد ولم ير أيّ منهما صاحبه ، قال : لا يحق لذلك الزوج أن ينكر ولادة هذا الولد من عنده ! لماذا ؟ يقول : لعلّ الهواء حمل النطفة وأوقعها في منطقة معيّنة ، وكانت تلك المرأة هناك وجذب رحمها تلك النطفة ، فإذا أنكر الرجل كان السبيل اللعان .
ماذا يثبت لنا من هذا كلّه ؟ يثبت أنّه لا سبيل ولا يمكن إثبات ولادة شخص من شخص بالمشاهدة .
أقصى ما يمكن أن يشاهد الإنسان أنّ فلانا واقع زوجته وأنّ زوجته أنجبت ، أي خرج الطفل من رحمها بعد فترة معينة ، لا يمكن رؤية أكثر من ذلك ، أي لا يمكن إثبات أنّ هذا متكوّن من فلان .
فكيف تثبت الأنساب إذا ؟ نفس الطريقة التي تثبت فيها العدالة كذلك نثبت النسب ، كيف نثبت العدالة ! قلنا : العدالة بناء على أنّها ملكة ، إنّما تثبت بالمعاشرة وبالمشاهدة للأمور التي تلازم عادة الشخص التقي والعادل ، كذلك هاهنا أمور ملازمة لصحّة النسب إذا شاهدناها فحينئذ يثبت النسب .
مثلا يعترف الوالد بأنّ هذا ابنه ، ويثبت أنّه ولد على فراشه ، ويثبت أنّ الولد اعترف بأنه ابن فلان .
هذا الذي يمكن مشاهدته ، هو خروج الطفل من بطن أمه .
وكذلك يمكن إثبات ذلك باعتراف كلّ من الوالد والولد ، هذا
هامش
( 1 ) المغني لابن قدامة : 9 / 54 .