ولا شك أيضا أن هذا الإجراء النبوي الخاص بعلي عليه السّلام ، هو إجراء إلهي معصوم ، إذا أخذنا بعين الاعتبار تنزيه النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم عن القول بأمر الدين ، بما يخالف رضا رب العالمين ، لقوله تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ
« 1 » .
وهذا الاعتبار ينسجم مع اعتقاد المسلمين جميعا ، أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم مبرأ من المحاباة على حساب الدين ، لأنه فوق الغرائز العاطفية ، والنزعات العائلية ، والدوافع العشائرية ، في كل ما يفعل ويقول ، لقوله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 2 » .
اطلاع علي عليه السّلام على الغيب
وعلى ضوء ما سبق ، يتّضح أنّ اطلاع الإمام علي عليه السّلام على الغيب ، ليس على نحو الأصالة والاستقلال ، وإنّما هو علم تعلّمه من النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم ، بأمر من اللّه تعالى ، وما يؤكد ذلك أنّ علم الغيب من العلوم الإلهية ، التي استأثر اللّه تعالى بها لنفسه ، ولم يظهر عليها أحدا من عباده ، إلا من ارتضاهم حملة لرسالته ، وخزنة لعلمه ، كالأنبياء وأوصيائهم ، وذلك لقوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
« 3 » .
ولقد أدرك أعداء علي عليه السّلام الخطر المحدق بهم ، والمهدّد لمواقعهم التي احتلوها في الخلافة والإمامة ، من خلال ما اختصّه به رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم من علوم الغيب ، وقد ظهر ذلك جليا للأمة ، من خلال طرح علي عليه السّلام المتزايد لأنباء الغيب وأحداثه المستقبلية ، في خطاباته وأحاديثه ، وهو ما يؤكد إمامته الشرعية الإلهية ، حيث لا يمكن لأحد أن يطلع على علم الغيب من النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم ، بالصورة الشاملة المتوفرة عند علي عليه السّلام ، إلا إذا كان مرضيّا عند اللّه تعالى ، ليكون إماما وخليفة على الأمة بعد نبيّها .
هامش
( 1 ) سورة الحاقة : 44 - 49 .
( 2 ) سورة النجم : 3 - 4 .
( 3 ) سورة الجن : 25 - 26 .