فهذا الكتاب إنّما يستمد اسمه وعنوانه من طبيعة موضوعاته وأهدافها الرسالية ، لأنه يقوم بمهمة تعريف الأمة بخصائص حركات الهدى والضلال ، التي تواجه المسلمين بعد ابتعادهم عن الإسلام ، وبعد إقصائه عن التطبيق وقيادة الحياة ، فالهدف الأساس من هذا الكتاب ، هو أن يضع الأمة على ( نهج الخلاص ) ، وينقذها من عواقب جميع تلك الفتن والصراعات والاختلافات على تعدّد أهدافها ومتطلباتها ، لتبقى يقظة واعية لكل ما يحاط بها ، ويحاك لها ، كما قال الإمام علي عليه السّلام ، لأهل الكوفة :
يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون ، قبل أنّ يكون ، لتكونوا منه على حذر ، ولتنذروا به من اتّعظ واعتبر « 1 » .
منزلة علي عليه السّلام العلمية
قبل الكلام عن اطلاع الإمام علي عليه السّلام على علم الغيب ، لا بدّ أن نذكّر القراء الكرام بمكانته العلمية بين الصحابة ، بعدما استفاضت الروايات بكثرة طرقها عنهم ، بأنه كان أعلمهم ، مستشهدين بما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، حيث كان يقول فيه : أعلم أمتي من بعدي ، عليّ بن أبي طالب « 2 » . وقال أيضا : عليّ أقدم أمتي إسلاما ، وأكثرهم علما « 3 » . وقال أيضا : عليّ أشجع الناس قلبا ، وأعلم الناس علما « 4 » .
إنّ تقدم علي عليه السّلام علميا على سائر الصحابة ، حقيقة تاريخية ثابتة ، أجمعت عليها كلمة الأمة ، مع اختلاف مشاربها ومذاهبها ، تبعا لإجماع الصحابة الأجلاء عليها ، فقد روي عن الحسن السبط عليه السّلام ، أنه خطب بعد مقتل أبيه عليه السّلام فقال : لقد فارقكم رجل بالأمس ، ما سبقه الأولون بعلم ، ولا يدركه الآخرون « 5 » . وكان عمر بن الخطاب دائما يردد قائلا : لا أبقاني الله
هامش
( 1 ) الإرشاد : 1 / 279 ، الاحتجاج : 1 / 255 .
( 2 ) فرائد السمطين : 1 / 97 ، شواهد التنزيل : 1 / 433 ، كنز العمال : 11 / 614 / 32977 .
( 3 ) الأمالي للصدوق : 57 / 13 .
( 4 ) المناقب للخوارزمي : 290 .
( 5 ) تاريخ ابن عساكر : 42 / 580 ، شواهد التنزيل : 2 / 207 .