فنفته من عقر الديار ببغيها * حتى تغيب خفيفة الأرجاس
فإلهي عجل للأنام ظهور من * يحيي الورى عن وصمة الخناس
صلى الإله عليه ما هبت صبا * وهنا ففاح أريج طيب الآسي « 1 »
وعن الجعفري رضي اللّه عنه قال : كنت في الحبس المعروف بحبس حسيس في الجوسق « 2 » الأحمر ، أنا ومحمد بن الحسن العصفي ، ومحمد بن إبراهيم العامري وفلان وفلان ، إذ دخل علينا الحسن العسكري وأخوه جعفر ، فحففنا به وكان المتولي بحبسه صالح بن وصيف ، وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول إنه علوي ، فقال العسكري : لولا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم ، وأومى بيده إلى الجمحي أن يخرج ، فخرج .
فقال عليه السّلام : هذا رجل ليس منكم فاحذروه ، فإن في ثيابه رقعة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه ،
فقام بعضهم وفتش ثيابه فوجد الرقعة ، يذكرنا فيها بكل عظيمة « 3 » .
وعن الجعفري رضي اللّه عنه قال : كان الحسن العسكري عليه السّلام يصوم في الحبس ، فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله إليه غلامه في جوزة « 4 » مختومة ، وكنت أصوم معه ، فلما كان ذات يوم أكلت كعكة كبيرة ، ولم يشعر بي أحد ، ثم جئت فجلست معه فقال لغلامه : أطعم أبا هاشم فإنه مفطر .
فتبسمت فقال : ما يضحكك يا أبا هاشم ؟ إذا أردت القوة فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه .
فقلت صدق اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنتم أهل بيت رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
ثم قال لي : إفطر ثلاثا فإن الصحة لا ترجع إذا نهكها الصوم في أقل من ثلاث .
فلما كان في اليوم الذي أراد اللّه تعالى أن يفرج عنه فيه ، جاءه الغلام فقال : يا سيدي أحمل فطورك إليك ؟
قال : إحمله وما أحسبنا نأكله .
فحمل الغلام الطعام عند الظهر وأطلق العصر وهو صائم .
فقال عليه السّلام : كلوا هناكم اللّه تعالى « 5 » .
هامش
( 1 ) وفيات الأئمة : 418 - 419 .
( 2 ) والجوسق : القصر والقلعة ، دار بنيت للمقتدر في دار الخلافة ، في وسطها بركة من الرصاص ثلاثون ذراعا في عشرين ( القاموس المحيط ) .
( 3 ) الخرائج : 2 / 682 ح 1 وعنه البحار : 50 / 254 ح 10 .
( 4 ) في بعض المصادر : الجونة وهي الخابية المطلية بالقار .
( 5 ) وفيات الأئمة : 404 ، والأنوار البهية ، الشيخ عباس القمي ص 306 : وإعلام الورى : 3 / 55 ، وعنه البحار : ج 50 ص 255 ح 10 ، والبحار : 50 / 254 ح 10 ، ومناقب آل أبي طالب : 4 / 437 مختصر .