عنه ، لئلا يتهاوشوا « 1 » ولا يقتل بعضهم بعضا .
قال عليه السّلام : ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس ويرحل عن الدنيا غدا لا علم له بما كان قبله ولا ما يكون بعده ، ثم إنه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه ، أو خلقه غيره ، أو لم يزل موجودا ، فما ليس بشي لا يقدر على أن يخلق شيئا وهو ليس بشي ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا يسأل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه ، ولو كان الإنسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث ، لأن الأزلي لا تغيره الأيام ولا يأتي عليه الفناء ، مع أنا لم نجد بناء من غير بان ، ولا أثرا من غير مؤثر ، ولا تأليفا من غير مؤلف ، فمن زعم أن أباه خلقه قيل : فمن خلق أباه ؟ ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه لخلقه على شهوته ، وصوره على محبته ، ولملك حياته ، ولجار فيه حكمه ، مرض فلم ينفعه ، ومات فعجز عن رده ، إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه سويا يقدر أن يدفع عنه الفساد .
قال : فما تقول في علم النجوم ؟
قال : هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته لأنه لا يدفع به المقدور ، ولا يتقى به المحذور ، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء ، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله ، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه ، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه .
قال : فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه ؟
قال : بل الرسول أفضل .
قال : فما علة الملائكة الموكلين بعباده يكتبون عليهم ولهم ، والله عالم السر وما هو أخفى ؟
قال : استعبدهم بذلك وجعلهم شهودا على خلقه ، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة ، وعن معصيته أشد انقباضا ، وكم من عبد يهمّ بمعصية فيذكر مكانها فارعوى « 2 » وكف ، فيقول : ربي يراني وحفظتي علي بذلك تشهد ، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده يذبون عنه مردة الشياطين ، وهوام الأرض ، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجي أمر الله عز وجل .
قال : فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب ؟
قال : خلقهم للرحمة وكان في علمه قبل خلقه إياهم أن قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الرديئة وجحدهم به ؟ .
هامش
( 1 ) هاش القوم : اختلطوا واضطربوا ووقعت بينهم الفتنة . تهاوشوا : اختلطوا . وفي بعض المصادر : تهارشوا ، من تهارشت الكلاب أي يتقاتلون ويتواثبون .
( 2 ) ارعوى من المعصية أي كف عنه ورجع .