وإذا ذئب قد انحدر من الجبل وجاء حتى وضع يده على قربوس السرج ، وتطاول فخاطبه فقال له الإمام عليه السّلام : إرجع فقد فعلت ، قال : فرجع الذئب مهرولا .
فقلت : يا سيدي ما شأنه ؟
فقال : ذكر أن زوجته قد عسرت عليها الولادة فسأل لها الفرج وأن يرزقه اللّه ولدا لا يؤذي دواب شيعتنا ، فقلت له : إذهب فقد فعلت ، قال : ثم سرنا ، وإذا قاع محدب يتوقّد حرّا ، وهناك عصافير يتطايرون ، ودرن حول بغلته فرجوها ، وقال : لا ولا كرامة ، قال : ثم سار إلى مقصده ، فلما رجعنا من الغد وعدنا إلى القاع وإذا العصافير قد طارت ودارت حول بغلته ورفرفت ، فسمعته يقول :
إشربي وارتوي ، قال : فنظرت ، وإذا في القاع ضحضاح « 1 » من الماء ، فقلت : يا سيدي بالأمس منعتها واليوم سقيتها ؟
فقال : إعلم أن اليوم خالطتها القنابر فسقيتها ، ولولا القنابر لما سقيتها .
فقلت : يا سيدي ، ومّا الفرق بين القنابر والعصافير ؟
فقال : ويحك أما العصافير فإنّهم موالي الرجل « 2 » لأنهم منه ، وأما القنابر فإنّهم موالينا أهل البيت ، وإنّهم يقولون في صفيرهم : بوركتم أهل البيت عليهم السّلام ، وبورك شيعتكم ، ولعن اللّه أعداءكم .
ثم قال : عادانا من كل شيء حتى الطيور الفاختة ومن الأيام الأربعاء « 3 » .
قال رجب البرسي : في هذا الحديث رمز حسن يشير إلى أن كلّا يميل إلى شكله ويفرح بنظيره ، وينبعث إلى طبعه ، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يعرف ولد الحرام بأكله للحرام .
وهذا أيضا رمز وهو أن ولد الحرام مادته من الحرام فهو يحب ما هو منه ، وعدوّهم من الرجل فهو لا يحب إلّا مادته ، ومحبّهم ووليّهم طينته منهم ، وهي طينة خلق منها أولاد الحلال فلا يحبّهم إلّا ولد الحلال ، وليس محبّهم إلّا ولد الحلال .
ومن ذلك ما رواه إسماعيل السندي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سمعته يقول لرجل من خراسان كان قدم إليه : كيف أبوك ؟
فقال الرجل : بخير .
فقال : فأخوك ؟
قال : خلفته صالحا ، فقال : قد هلك أبوك بعد خروجك بيومين ، وأما أخوك فقتلته جاريته يوم كذا ، وقد صار إلى الجنّة .
هامش
( 1 ) الضحضاح في الأصل ما رقّ من الماء على وجه الأرض ما بلغ الكعبين « النهاية » .
( 2 ) في البحار : عمر .
( 3 ) بحار الأنوار : 27 / 272 ح 25 بتفاوت .