وفي كتاب العلل قال : رأى الزهري علي بن الحسين عليهما السّلام ليلة باردة مطيرة وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي فقال له : يا بن رسول اللّه ما هذا ؟ قال : أريد سفرا أعدّ له زادا لحمله إلى موضع حريز .
فقال الزهري : هذا غلامي يحمله عنك فإنّي أرفعك عن حمله .
قال : لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري أسألك بحقّ اللّه لما مضيت وتركتني فانصرف عنه .
فلمّا كان بعد أيّام قال له : يا بن رسول اللّه لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثرا ؟
قال : بلى يا زهري ليس ما ظننت ولكنّه الموت وله أستعدّ إنّما الاستعداد للموت تجنّب الحرام وبذل الندى في الخير « 1 » .
وقال عبد اللّه ابن المبارك : حججت إلى مكّة فبينما أنا سائر في عرض الحاج وإذا صبيّ سباعي أو ثماني وهو يسير في ناحية من الحاج بلا زاد ولا راحلة فسلّمت عليه وقلت له : مع من قطعت البرّ ؟
قال : مع البار ، فكبر في عيني فقلت : أين زادك وراحلتك ؟
فقال : زادي تقواي وراحلتي رجلاي وقصدي مولاي ، فقلت : يا ولدي ممّن تكون ؟
فقال : مطّلبي فقلت : أبن لي قال هاشمي ، فقلت : أبن لي قال : علوي فاطمي فقلت : يا سيّدي هل قلت شيئا من الشعر ؟ فأنشدني شعر :
لنحن على الحوض روّاده * نذود ونسقي ورّاده
وما فاز من فاز إلّا بنا * وما خاب من حبّنا زاده
ومن سرّنا نال منّا السرور * ومن ساءنا ساء ميلاده
وما كان غاصبنا حقّنا * فيوم القيامة ميعاده
ثمّ غاب عن عيني فلمّا أتيت الأبطح رأيته في حلقة مستديرة فسألت عنه فقالوا : زين العابدين ابن الحسين عليه السّلام « 2 » .
وكان يقول : ( اللهم إنّي أعوذ بك أن تحسن في لوامح العيون علانيتي ، وتقبح سريرتي ، اللهم كما أسأت فأحسنت إليّ ، فإذا عدت فعد عليّ ) « 3 » .
وكان من كلامه يقول : عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة ،
هامش
( 1 ) البحار : 46 / 66 ح 27 .
( 2 ) مناقب آل أبي طالب : 3 / 295 ، والبحار : 46 / 91 .
( 3 ) العقد الفريد 3 / 174 ، حلية الأولياء 3 / 134 ، صفة الصفوة 2 / 94 .