إلى العدوّ ، فأجابوه بالطاعة وقالوا له : إنهض بنا إلى عدوّنا على اسم اللّه ، فنزل فنهض بهم .
وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق : ويحكم ! هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح ، فعلام تقتلون أنفسكم !
فقال لهم قيس بن سعد : اختاروا إحدى اثنتين ؛ إمّا القتال مع غير إمام ، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال ، فقالوا : بل نقاتل بلا إمام ، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافّهم .
فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنّيه ، فكتب إليه قيس : لا ولا تلقاني أبدا إلّا بيني وبينك الرّمح . فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه :
أما بعد ؛ فإنّك يهوديّ ابن يهوديّ ، تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك ؛ فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وغدرك ، وإن ظهر أبغضهم إليك نكّل بك وقتلك : وقد كان أبوك أوتر غير قوسه ، ورمى غير غرضه ؛ فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل ، فخذله قومه ، وأدركه يومه ، فمات بحوران طريدا غريبا . والسّلام .
فكتب إليه قيس بن سعد :
أما بعد ؛ فإنما أنت وثن ابن وثن ، دخلت الإسلام كرها ، وأقمت فيه فرقا ، وخرجت منه طوعا ؛ ولم يجعل اللّه لك فيه نصيبا ، لم يقدم إسلامك ، ولم يحدث نفاقك ؛ ولم تزل حربا للّه ولرسوله ، وحزبا من أحزاب المشركين ، وعدوّا للّه ولنبيه وللمؤمنين من عباده - وذكرت أبي ، فلعمري ما أوتر إلّا غرضه ، فشغب عليه من لا يشقّ غباره ، ولا يبلغ كعبه ؛ وزعمت أنّي يهوديّ ابن يهودي ، وقد علمت وعلم الناس أنّي وأبي أعداء الدّين الذي خرجت منه ، وأنصار الدين الذي دخلت فيه ، وصرت إليه . والسّلام .
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه ، وأراد إجابته ، فقال له عمرو : مهلا ، فإنك إن كاتبته أجابك بأشدّ من هذا ؛ وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس . فأمسك عنه .
قال : وبعث معاوية عبد اللّه بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح ، فدعواه إليه ، فزهّداه في الأمر ، وأعطياه ما شرط له معاوية ، وألا يتبع أحد بما مضى ، ولا ينال أحد من شيعة عليّ بمكروه ، ولا يذكر عليّ إلّا بخير ، وأشياء شرطها الحسن . فأجاب إلى ذلك ، وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة ، وانصرف الحسن أيضا إليها ، وأقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة ، واجتمع إلى الحسن عليه السّلام وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام يلومونه ، ويشكون إليه جزعا مما فعله « 1 » .
قال أبو الفرج : فحدّثني محمد بن أحمد بن عبيد ، قال : حدثنا الفضل بن الحسن البصري
هامش
( 1 ) مقاتل الطالبيين 64 - 67 .