فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلّا ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه ، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه ، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء ؟
قلت : كان ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه ، حيث تجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته أيضا بكذب خصمه حتى يهلكه مع أحبّته وأعزّته هلاك الاستئصال إن تمّت المباهلة ، وخص الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل ، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذادة عنها حماة الحقائق ، وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها ، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السّلام .
وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأنّه لم يروا أحدا من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك .
هذا آخر كلام الزمخشري فانظر بعين الإنصاف تعرف منه أهل الصراط السوي « 1 » .
وقد ذكر النّقاش في تفسيره شفاء الصدور ما هذا لفظه : قوله عزّ وجلّ
فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ
« 2 » .
قال أبو بكر : جاءت الأخبار بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن وحمل الحسين عليهما السّلام على صدره ، ويقال : بيده الأخرى وعلي عليه السّلام معه وفاطمة عليها السّلام من ورائهم ، فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين من بين جميع أبناء أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأبناء أمّته ، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم من بين بنات النبي وبنات أهل بيته وبنات أمّته ، وحصلت هذه الفضيلة لأمير المؤمنين علي عليه السّلام من بين أقارب رسول اللّه ومن أهل بيته وأمّته بأن جعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كنفسه ، يقول :
وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ .
وعن جرير عن الأعمش قال : كانت المباهلة ليلة إحدى وعشرين من ذي الحجّة ، وكان تزويج فاطمة لعلي بن أبي طالب عليه السّلام يوم خمسة وعشرين من ذي الحجة ، وكان يوم غدير خم يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة ، هذا آخر كلام النّقاش « 3 » .
وقد ذكر الخطيب في تاريخ بغداد فضل أبي بكر محمد بن الحسن بن زياد النّقاش وكثرة رجاله
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : 1 / 434 مورد الآية وما بين المعقودين من المطبوع .
( 2 ) آل عمران : 61 .
( 3 ) راجع الدر المنثور : 2 / 38 مورد الآية ، والفصول المهمة : 24 - 120 ، وينابيع المودة : 1 / 8 - 25 - 299 ط . تركيا و 8 - 57 - 359 ط . النجف .