عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقّت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ؛ فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده :
شتّان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر
فيا عجبا ! بينما هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشد ما تشطّرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها . . . .
فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة . . . متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! ! . . .
إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع . . . » « 1 » .
* أقول : الخطبة الشقشقية عليها نور الإمامة وألفاظها تنبىء أنّها من معدن الوحي والتنزيل تقبّلها العامة والخاصة في كتبهم :
- قال مصدّق : وكان ابن الخشّاب صاحب دعابة وهزل ، فقلت له : أتقول انّها منحولة ؟
فقال : لا والله ، وإنّي لأعلم أنّها كلامه ، كما أعلم أنّك مصدّق .
فقلت له : إنّ كثيرا من الناس يقولون أنّها من كلام الرضيّ رحمه اللّه تعالى .
فقال : أنّى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب ! قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر .
ثم قال : واللّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها ، وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ « 2 » .
- وقال ابن أبي الحديد : وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخيّ إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدّة طويلة .
ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبه أحد متكلّمي الإمامية ، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الإنصاف ، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه
هامش
( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 151 - 162 - 184 - 197 الخطبة الثالثة .
( 2 ) شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 205 شرح الخطبة الشقشقية .