أهل الشام وأعيانهم ، بهذا المنظر المهيب الرهيب ، لأنهم لا يعرفون أحدا جديرا بالمهابة والاحترام ، وبهذه الحفاوة والتكريم ، غير أسيادهم الأمويين ، باعتبارهم أقرب الناس إلى رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، حسبما صوّر لهم الإعلام الأموي المعادي لأهل البيت عليهم السّلام ، فبادر أهل الشام يسألون هشاما : من هذا الذي تعظمه الناس وتهابه ، وتجلّه أكثر منك ؟ ! وأنت ابن الخليفة وولي العهد ، فبهت هشام ، وتميز غيظا وازداد حقدا ، واحمر لونه غضبا ، ورد عليهم منفعلا وقد انتفخت أوداجه : أنا لا أعرفه ! وإنما قال ذلك مخافة أن يرغب به أهل الشام ، ويزهدوا في بني أمية ، وخوفا من أن تنكشف حقيقة الإعلام الأموي الكاذب .
وكان الشاعر الفرزدق أبو فراس حاضرا ، باعتباره شاعر البلاط الأموي آنذاك ، لكنه ما إن سمع تجاهل هشام لحفيد فاطمة بنت رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، حتى استشاط غضبا وانتفض منزعجا ، نصرة للحق وحبا لأهل بيت رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، فتوجه لأهل الشام ، وهو يضرب على صدره قائلا :
ولكن أنا أعرفه ، ومن أراد منكم أن يعرفه فليأت إليّ ، وتحلّق أهل الشام وغيرهم بالفرزدق ، فانطلق يهدر مرتجلا قصيدته العصماء المشهورة :
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم * هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجدّه أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك : من هذا ؟ بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما * يستوكفان ، ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة ، لا تخشى بوادره * يزينه اثنان : حسن الخلق والشّيم
حمّال أثقال أقوام ، إذا افتدحوا * حلو الشمّائل ، تحلو عنده نعم
ما قال : لا قطّ ، إلّا في تشهّده * لولا التّشهد كانت لاءه نعم
عمّ البريّة بالإحسان ، فانقشعت * عنها الغياهب والإملاق والعدم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ، ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلّا حين يبتسم