الفصل الثامن في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة
لا يخفى أنّ الإنسان موجود أعطي له الاختيار في طاعة اللّه ومعصيته ، فإن اختار طاعة اللّه كان أفضل الموجودات وأشرفها ، لأنّ سائر الموجودات أعمّ من ذوي الشعور وغيره لا يقدرون على طاعة اللّه بالاختيار وان كان كلّها مطيعا له بالفطرة يسبّحون اللّه بحسب الخلقة ، قال اللّه تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 1 » .
فأراد اللّه تعالى إبداع أشرف الموجودات ، فتعلّقت مشيئته بإبداع نوع بين أنواع الحيوان الّذي هو موجود ، له إحساس وشعور وإرادة ، يكون هذا النوع أكمل أنواعه في الإحساس والشعور وقوة الإدراك ، فأعطاه الخصّيصة المذكورة - أعني خصّيصة اختيار طاعة اللّه وعصيانه - قال اللّه تعالى
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 2 » فخلق الإنسان وأعطاه هذا الاختيار . ومن البديهي أنّ كونه واجدا للاختيار بالنسبة إلى الطاعة يستلزم كونه واجدا للاختيار بالنسبة إلى المعصية وإلّا كان مجبورا على الطاعة ، فأبناء هذه السلسلة قد يختارون الطاعة وقد يختارون المعصية ما دام هذا النسل باقيا على وجه الأرض .
ولا بدّ أن لا يخلو هذا النسل ما دام باقيا من إنسان يطيع اللّه بالاختيار لمحض
هامش
( 1 ) الإسراء : 44 .
( 2 ) الأحزاب : 72 .