ولما انتهى عمر إلى يثرب التقى بالوالي وعرّفه بمهمته فأرشده الوالي وغيره إلى الجنيدي الذي كان شديد البغض للعلويين ، فأرسل خلفه وعرّفه بالأمر فاستجاب له بعد أن عيّن له راتبا شهريا ، وعهد إليه أن يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به .
بادر الجنيدي إلى ما كان امر به من مهمّة تعليم الإمام ( عليه السّلام ) إلّا انه قد ذهل لما كان يراه من حدّة ذكائه ، والتقى محمد بن جعفر بالجنيدي فقال له : « ما حال هذا الصبي الذي تؤدبه ؟ » فأنكر الجنيدي ذلك وراح يقول :
« أتقول : هذا الصبي ؟ ! ! ولا تقول هذا الشيخ ؟ أنشدك باللّه هل تعرف بالمدينة من هو أعرف مني بالأدب والعلم ؟ » .
قال : لا .
فقال الجنيدي : « إني واللّه لأذكر الحرف في الأدب ، وأظن أني قد بالغت ، ثم إنّه يملي أبوابا استفيده منه ، فيظن الناس اني اعلمه ، وأنا واللّه أتعلّم منه » .
وانطوت الأيام فالتقى محمد بن جعفر مرة أخرى بالجنيدي ، فقال له :
ما حال هذا الصبي ؟
فأنكر عليه الجنيدي ذلك وقال : « دع عنك هذا القول ، واللّه تعالى لهو خير أهل الأرض ، وأفضل من برأه اللّه تعالى ، وإنه لربما همّ بدخول الحجرة فأقول له : حتى تقرأ سورة ، فيقول : أيّ سورة تريد أن أقرأها ؟ فاذكر له السور الطوال ما لم يبلغ إليها فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصح منها ، وكان يقرأها بصوت أطيب من مزامير داود ، انّه حافظ القرآن من أوله إلى آخره ، ويعلم تأويله وتنزيله .
أعلام الهداية — صفحة 81
مساهمون: المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف
ص٨١