وكان يردّد هذا البيت :
اتّخذ اللّه صاحبا * ودع الناس جانبا
وكان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص « 1 » مبالغة منه في الزهد وكان ممّن عرف بالتقشّف معروف الكرخي فكان يبكي وينشد في السحر :
أي شيء تريد منّي الذنوب * شغفت بي فليس عنّي تغيب
ما يضرّ الذنوب لو أعتقتني * رحمة بي فقد علاني المشيب « 2 »
وكان من زهّاد ذلك العصر بشر بن الحارث وهو القائل :
قطع الليالي مع الأيام في خلق * والقوم تحت رواق الهمّ والقلق
أحرى وأعذر لي من أن يقال غدا * إنّي التمست الغنى من كفّ مختلق
قالوا : قنعت بذا ؟ قلت : القنوع غنى * ليس الغنى كثرة الأموال والورق
رضيت باللّه في عسري وفي يسري * فلست أسلك إلّا أوضح الطرق « 3 »
ومن الطبيعي أنّ هذه الدعوة إلى الزهد إنّما جاءت كرد فعل لإفراط ملوك العبّاسيّين والطبقة الرأسماليّة في الدعارة والمجون وعدم عفافهم عمّا حرّمه اللّه من الملاهي . وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الجواد ( عليه السّلام ) . « 4 »
إلى هنا نكون قد وقفنا على ملامح هذا العصر وخصائصه الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وسوف نردفها ببيان طبيعة علاقة حكّام عصر الإمام مع الإمام ( عليه السّلام ) من جهة ، ثم ندرس متطلبات هذا العصر على ضوء هذه الملامح وعلى ضوء رسالة الإمام الجواد ( عليه السّلام ) في تلك الظروف التي أحاطت به آخذين
هامش
( 1 ) حلية الأولياء : 7 / 367 - 373 .
( 2 ) حلية الأولياء : 2 / 181 .
( 3 ) صفة الصفوة : 2 / 189 .
( 4 ) راجع حياة الإمام محمد الجواد ( عليه السّلام ) : 206 - 216 .