وبعد أن ثبّت الإمام هذا المبدأ بوصايا وتوجيهات متعدّدة أتبعه بنشاطات تربوية مخافة أن يساء فهمه أثناء التطبيق ، فحذّر ( عليه السّلام ) من أن تكون التقية في مورد من موارد تطبيقها سببا إلى التهاون والضعف والجبن والاستسلام وخذلان المؤمنين وتضييع الشريعة وأحكامها . قال ( عليه السّلام ) : « لم تبق الأرض إلّا وفيها منّا عالم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة . وأيم اللّه لو دعيتم لتنصرونا قلتم لا نفعل إنما نتقي ! ! ولكانت التقيّة أحبّ إليكم من آبائكم وأمهاتكم ، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك ، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ اللّه » « 1 » .
ومن وسائله التربوية لترشيد هذا المبدأ الحسّاس في مجال العلاقات بين المؤمنين حذرا من أن تؤدّي التقيّة إلى التفكيك بينهم ، نقرأ رواية إسحاق بن عمّار الصيرفي ، قال : دخلت على أبي عبد اللّه ( عليه السّلام ) وكنت تركت التسليم على أصحابنا في مسجد الكوفة وذلك لتقيّة علينا فيها شديدة ، فقال لي أبو عبد اللّه : « يا إسحاق متى أحدثت هذا الجفاء لإخوانك ! تمرّ بهم فلا تسلّم عليهم ؟ ! »
فقلت له : ذلك لتقيّة كنت فيها .
فقال : « ليس عليك في التقيّة ترك السلام ، وإنما عليك في التقيّة الإذاعة .
إن المؤمن ليمرّ بالمؤمنين فيسلّم عليهم فتردّ الملائكة : سلام عليك ورحمة اللّه وبركاته » « 2 » .
كما أكّد الإمام الصادق ( عليه السّلام ) على ضرورة كتمان السرّ وجعله مرتبطا بالإمان والعقيدة وذمّ إفشاء السرّ وإذاعته بين الناس حتى قال ( عليه السّلام ) : « إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزرا ، بل هو أعظم وزرا ، بل هو أعظم وزرا » « 3 » .
كما اثنى على الذي يكتم السر بقوله ( عليه السّلام ) « رحم اللّه قوما كانوا سراجا ومنارا ، كانوا
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : 11 / 483 .
( 2 ) كشف الغمة : 2 / 197 .
( 3 ) تحف العقول : 238 وعنه في بحار الأنوار : 78 / 288 .