ففزع وخاف من اللّه ، وفرّ هاربا فدخل في غار يتعبّد فيه ، وكان الإمام ( عليه السّلام ) قد مضى حاجّا إلى بيت اللّه الحرام فاجتاز على الغار الذي فيه الزهري ، فقيل له :
هل لك في الزهري حاجة ؟ فأجابهم إلى ذلك ، ودخل عليه فرآه فزعا خائفا ، قانطا من رحمة اللّه ، فقال ( عليه السّلام ) له : « إنّي أخاف عليك من القنوط ما لا أخاف عليك من ذنبك ، فابعث بدية مسلّمة إلى أهله ، واخرج إلى أهلك ومعالم دينك » .
فاستبشر الزهري وقال له : فرّجت عنّي يا سيّدي ، اللّه أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء « 1 » .
ودخل الزهري مع جماعة من الفقهاء على الإمام زين العابدين ( عليه السّلام ) ، فسأل الإمام الزهريّ عمّا كانوا يخوضون فيه فقال له : تذاكرنا الصوم فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنّه ليس من الصوم واجب إلّا شهر رمضان .
فنعى عليهم الإمام ( عليه السّلام ) قلّة معلوماتهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين ، وبيّن لهم أقسام الصوم قائلا :
« ليس كما قلتم ، الصوم على أربعين وجها ، عشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان ، وعشرة منها صومهنّ حرام ، وأربعة عشر وجها صيامهنّ بالخيار ، إن شاء صام وإن شاء أفطر ، وصوم الإذن على ثلاثة أوجه ، وصوم التأدّب وصوم الإباحة وصوم السفر والمرض » .
وبهر الزهري وبقية الفقهاء من سعة علم الإمام ( عليه السّلام ) وإحاطته بأحكام الدين ، وطلب منه الزهري ايضاح تلك الوجوه وبيانها ، فقال ( عليه السّلام ) : « أمّا الواجب فصيام شهر رمضان ، وصيام شهرين متتابعين لمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ، وصيام شهرين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق ، واجب ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
- إلى قوله - :
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
هامش
( 1 ) تأريخ دمشق : 36 / 16 ، بحار الأنوار : 46 / 7 .