يلوون على شيء حتى أحاط المسلمون بنسائهم ، وبدت المعركة وكأنّها قد حسمت لصالح المسلمين .
وهنا عصفت النازلة العظمى بالمسلمين حيث ترك الرماة موقعهم فوق الجبل ، وانحدروا يشاركون إخوتهم غنائم المعركة ، ولم يثبت على الجبل إلّا عشرة رماة .
فنظر خالد بن الوليد - وكان على خيل المشركين - خلوّ الجبل وقلّة الثابتين صاح بخيله ، وكرّ يحمل على الرماة وتبعه عكرمة فقتلوهم ، وهنا تغيّر ميزان القوة ورجحت كفّته لصالح المشركين ، فاستطاعوا أن ينفذوا ويشقّوا صفوف المسلمين « 1 » ، وكانت المأساة التي لم يعرف المسلمون لها مثيلا ، فارتبك المسلمون وضاع صوابهم ، فكانت هزيمة بعد نصر وانكسارا بعد انتصار ، وتفرّق الناس كلّهم عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) وأسلموه إلى أعدائه بعد أن استشهد عمّه حمزة ومصعب بن عمير ، ولم يبق معه أحد إلّا عليّ ونفر قليل من المهاجرين والأنصار .
في هذه اللحظات الحاسمة والحرجة سجّل التأريخ موقف الصمود والفداء الذي وقفه عليّ ( عليه السّلام ) من رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، وقف ليدافع عن النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) بكلّ قوة وبسالة وهمّه سلامة الرسول والرسالة ، إذ كان يحمل الراية بيد والسيف بالأخرى يصدّ الكتائب ويردّ الهجمات عن الرسول ، وكأنّه جيش بكامل عدّته وعدّته ، وكان الرسول كلّما رأى جماعة تهجم عليه قال لعليّ ( عليه السّلام ) : يا عليّ احمل عليهم ، فيحمل عليهم ويفرّقهم ، فلم يزل عليّ يقاتل حتى أثخنته جراحات عديدة في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه « 2 » .
فأتى جبرئيل ( عليه السّلام ) النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) فقال : إنّ هذه لهي المواساة ، فقال رسول اللّه
هامش
( 1 ) تأريخ الطبري : 2 / 194 ط مؤسسة الأعلمي .
( 2 ) الكامل في التأريخ : 2 / 154 ، وأعيان الشيعة : 1 / 288 ، وبحار الأنوار : 20 / 54 .