يكتفي بما رقّ من لباس الصيف إغراقا منه في صوفيّة الروح .
روى هارون بن عنترة عن أبيه ، قال : دخلت على عليّ بالخورنق ، وكان فصل شتاء ، وعليه خلق قطيفة هو يرعد فيه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! إن اللّه قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا وأنت تفعل ذلك بنفسك ؟ فقال : « واللّه ما أرزؤكم شيئا ، وما هي إلّا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة » « 1 » .
وأتى أحدهم عليّا بطعام نفيس حلو يقال له : الفالوذج ، فلم يأكله عليّ ونظر اليه يقول : « واللّه إنّك لطيّب الريح حسن اللون طيّب الطعم ، ولكن أكره أن اعوّد نفسي ما لم تعتد » « 2 » .
ولعمري إنّ زهد عليّ هذا ليس إلّا معنى ومزاجا من معاني فروسيّته ومزاجها وإن بدا للبعض أنّهما مختلفان .
وقد حملت هذه السيرة الطيّبة عمر بن عبد العزيز - أحد خلفاء الأسرة الأموية التي تكره عليّا وتختلق له السيّئات وتسبّه على المنابر - على أن يقول :
أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالب « 3 » .
والمشهور أنّ عليّا أبى أن يسكن قصر الإمارة الذي كان معدّا له بالكوفة ، لئلّا يرفع سكنه عن سكن أولئك الفقراء الكثيرين الذين يقيمون في خصاصهم البائسة ، ومن كلامه هذا القول الذي انبثق عن أسلوبه في العيش انبثاقا : « أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ؟ ! » « 4 »
إباؤه وشهامته ( عليه السّلام ) :
مثّل عليّ بن أبي طالب الفروسيّة بأروع معانيها وبكلّ ما تنطوي عليه من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 40 / 334 ط الوفاء .
( 2 ) المصدر السابق : 40 / 327 .
( 3 ) المصدر السابق : 40 / 331 باب 98 ذ ح 13 ط الوفاء .
( 4 ) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح : 418 الكتاب 45 .