الجواب :
لا ملازمة بين عدم نزول العذاب في مكّة على المشركين ، وبين عدم نزوله هاهنا على الرجل ؛ فإنّ أفعال المولى سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة ؛ فكان في سابق علمه إسلام جماعة من أولئك بعد حين ، أو وجود مسلمين في أصلابهم ، فلو أبادهم بالعذاب النازل لاهملت الغاية المتوخّاة من بعث الرسول صلّى اللّه عليه وآله .
ولمّا لم ير سبحانه ذلك الوجه في هذا المنتكس على عقبه عن دين الهدى بقيله ذلك ، ولم يكن ليلد مؤمنا - كما عرف ذلك نوح عليه السّلام من قومه ؛ فقال :
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
« 1 » - قطع جرثومة فساده بما تمنّاه من العذاب الواقع .
ووجود الرسول صلّى اللّه عليه وآله رحمة تدرأ العذاب عن الامّة ، إلّا أنّ تمام الرحمة أن يكون فيها مكتسح للعراقيل أمام السير في لاحب الطريق المهيع ؛ ولذلك قمّ سبحانه ذلك الجذم « 2 » الخبيث ، للخلاف عمّا أبرمه النبيّ الأعظم في أمر الخلافة ، كما أنّه في حروبه ومغازيه كان يجتاح أصول الغيّ بسيفه الصارم ، وكان يدعو على من شاهد عتوّه ، ويئس من إيمانه ، فتجاب دعوته :
أخرج مسلم في صحيحه « 3 » بالإسناد عن ابن مسعود : أنّ قريشا لمّا استعصت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأبطؤوا عن الإسلام ، قال : « أللّهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف » ؛ فأصابتهم سنة فحصّت كلّ شيء ، حتّى أكلوا الجيف والميتة حتّى إنّ أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ؛ فذلك قوله :
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
« 4 » . ورواه البخاري « 5 » .
هامش
( 1 ) - نوح : 27 .
( 2 ) - [ « جذم الشيء » : أصله ] .
( 3 ) - صحيح مسلم 2 : 468 [ 5 / 342 ، ح 39 ، كتاب صفة القيامة والجنّة والنار ] .
( 4 ) - الدخان : 10 .
( 5 ) - صحيح البخاري 2 : 125 [ 4 / 1730 ، ح 4416 ] .