وحاصل استدلاله : إنّ المقتضى للحكم الاوّل ثابت والعارض لا يصلح رافعا له ، فيجب الحكم بثبوته في الثاني . أمّا إنّ مقتضى الحكم الاوّل ثابت : فلأنّا نتكلّم على هذا التقدير . وأمّا إنّ العارض لا يصلح رافعا : فلأنّ العارض إنّما هو احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم ، لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه فيكون كلّ واحد منها مدفوعا بمقابله ، فيبقى الحكم الثابت سليما عن رافع « 1 » . وممّا يؤيّد ذلك أنّ العاقل إذا التفت إلى ما حصل بيقين ولم يعلم ولم يظنّ طرد ما يزيله حصل له الظن ببقائه قطعا . وقد نبّه عليه قوله - صلّى اللّه عليه وآله « 2 » - « إنّ الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه ويقول أحدثت أحدثت ، فلا ينصرفنّ حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا » ، وقول الباقر « 3 » - عليه السّلام - : « لا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر » ، وقول الصادق « 4 » - عليه السّلام - : « ايّاك أن تحدث وضوء حتى تستيقن أنّك قد أحدثت » ، وقوله « 5 » - عليه السّلام - : « كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر ، فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك » ؛ فعلم من هذا أنّ كل شيء محمول على ما خلق عليه حتى يعلم خلافه إذ الأصل عدم طريان الرافع . وعلى هذا فلا يلزم في الحكم في الحالة الثانية العلم باستمرار المقتضى ، بل يكفى فيه عدم العلم بالرافع . وهذا الأصل في الحقيقة يرجع إلى الأصل السابق كما يظهر عند التأمّل الصادق .
أصل : قيل : الأصل في المنافع الإباحة لقوله تعالى
« خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً »
« 6 » ، وفي المضارّ أي موذيات القلوب التحريم لقوله « 7 » - صلّى اللّه عليه وآله - « لا ضرر ولا ضرار في الاسلام » ، وفي تصرّفات المسلم الصحّة ، وفي البيع اللزوم ، وفي إطلاق اللفظ الحقيقة ، وفي كلّ شيء يحتمل أن يكون من أفراد محصورة وأن يكون من أفراد غير محصورة أن لا يكون من المحصورة .
فالأصل في كلّ شيء أن يكون طاهرا لأنّ النجاسات محصورة ، والأصل عدم كونه منها . وكذا الأصل في الحيوان غير الطير أن لا يكون ممّا يؤكل لحمه لأنّ مأكول اللحم محصور ، والأصل عدم كونه منه .
والوجه في بعض هذه الأصول غير واضح سيّما الأخير . وروى مسعدة بن صدقة الموثّق عن مولانا
هامش
( 1 ) - حاشية النسخة : قال الشهيد - رحمه اللّه - في الذكرى : قولنا اليقين لا يرفعه الشك ، لا نعنى به اجتماعي اليقين والشك في الزمان الواحد والامتناع ذلك ، ضرورة أنّ في أحد النقيضين يرفع يقين الآخر ، بل المعنى انّ اليقين الذي في الزمن الأولى لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمن الثاني لأصالة بقاء ما كان . فيؤول إلى اجتماع الظن والشك في الزمان الواحد ، فيرجح الظن عليه كما هو مطّرد في العبادات . ( منه )
( 2 ) - لم نجد هذه الرواية ولكن قريب منها قال أبو عبد اللّه ( ع ) « إنّ الشيطان لينفخ في دبر الانسان حتى يتخيل اليه انّه قد خرج منه ريح . فلا ينقض الوضوء إلّا ريح تسمعها أو تجد ريحها » . ( الوسائل 1 : 175 )
( 3 ) - الوسائل 5 : 321
( 4 ) - الوسائل 1 : 176 وأيضا 1 : 332
( 5 ) - الوسائل 2 : 154
( 6 ) - البقرة : 29
( 7 ) - الوسائل 17 : 376