الأمر الثاني في الوضع
اعلم أن من جملة الأمور التي يبحث عنها في المقدمة مباحث الوضع إذ لم تذكر في علم آخر ، لأن كتب اللغة لا تتكفل لحقيقة الوضع ومعناه بل لبيان موارد الاستعمالات .
وكيف كان فالبحث عن الوضع يكون بعد البناء على عدم كون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية صرفا ، إذ لا يبقى حينئذ مجال لهذا البحث كما هو واضح .
وعلى كل حال الأقوال في دلالة الألفاظ على معانيها ثلاثة .
الأول : كونها ذاتية صرفة .
الثاني : كونها جعليّة صرفة .
الثالث : كونها بالذات والجعل كليهما .
وقد احتج للأوّل بما حاصله : أنه لو لم تكن ذاتية يلزم الترجيح بلا مرجح الذي مرجعه إلى الترجح بلا مرجح ، بمعنى وجود المعلول بلا علّة .
توضيحه : أنه لو لم تكن الدلالة ذاتية يلزم وجود اختصاص اللفظ بالمعنى بلا علّة ، وهو محال ، فلا محيص عن الالتزام بكون دلالة الألفاظ ذاتية محضة لئلا يلزم المحال .
وفيه : أن الترجيح ليس منحصرا في المرجّح الذاتي فلا مانع من كون المرجح خارجيا ، نعم ، إن كان الواضع هو اللّه سبحانه وتعالى يبقى مجال لكون الدلالة ذاتية ، لعدم مرجح خارجي هناك ، لحضور المعاني والألفاظ كلها هناك دفعة واحدة .