فظهر ممّا ذكرنا : أنّ الطريقية المجعولة للأمارات في عالم الإثبات واستتار الواقع وهذا عين الحكومة الظاهرية ، وأمّا قيامها مقام القطع الطريقي المحض لأنّ أدلّة الاعتبار بعد ما أثبتت لها محرزية في عالم الإثبات واستناد الواقع ، فيكون حالها حال القطع الطريقي المحض ما لم ينكشف الخلاف في إثبات متعلّقها ؛ حكما كان أو موضوعا .
نعم ، الحكم أو الموضوع الثابت بها لا وجود لها إلّا في مرحلة الإثبات ، فإن كان لهما في حاقّ الواقع مع قطع النظر عن قيام الأمارة فهو ، وإلّا فليس لهما أزيد من الوجود الإثباتي .
وبعبارة أخرى : سراب لا ماء ، فلا يلزم لا تصويب ولا اجتماع الضدّين ولا إجزاء في البين .
وأمّا قيام الأصول التنزيلية أيضا مقام القطع الطريقي المحض وما اخذ في الموضوع على نحو الطريقية : فمن جهة أنّ المجعول فيها هو الجري العملي بما أنّ الواقع محرز .
لست أقول : إنّها محرزة للواقع كما ربّما يوهمه ظاهر لفظة الأصول المحرزة كيف ولو كانت كذلك فلا يبقى فرق بينهما وبين الأمارات ؟ !
بل المراد من كونها محرزة : أنّ المجعول فيها عمل الواقع المحرز المكشوف والمتيقّن ، وإلّا فالأصول مطلقا - شرعية كانت أو عقلية ، والشرعية تنزيلية كانت أو غير تنزيلية - ليست إلّا وظائف عملية لا طريقية فيها ولا محرزية لها ؛ ولذلك تقدّم الأمارات عليها ورودا أو حكومة ، على اختلاف المسالك فيها .
وإذا كان المجعول فيها هو ذلك الجري العملي - غاية الأمر في ظرف الشكّ واستتار الواقع وعدم انكشاف الخلاف - فيكون لها أيضا كالأمارات
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 38
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٣٨