والسرّ في ذلك : أنّ التنزيل - كما هو واضح - يحتاج إلى تصوّر المنزّل والمنزّل عليه معنى اسميا ، حتّى يحكم على المنزّل بأنّه المنزّل عليه ادعاء .
ولا شكّ : أنّ في تنزيل المؤدّى والمشكوك منزلة الواقع والمقطوع تمام النظر بالمعنى الاسمي إلى المؤدّى والمشكوك من طرف - أي المنزّل - وإلى الواقع والمقطوع من طرف آخر - أي المنزّل عليه - ويكون النظر إلى أداء الأمارة والشكّ من طرف ، وإلى القطع واليقين من طرف آخر معنى حرفيا آليا .
وأمّا في تنزيل الأمارة والشكّ منزلة القطع يكون النظر إلى الأمارة والشكّ المسبوق باليقين مثلا من طرف المنزّل ، وإلى القطع من طرف المنزّل عليه معنى اسميا . ففي أحد التنزيلين يكون الشكّ والقطع ملحوظا باللحاظ الآلي والمعنى الحرفي ، وفي التنزيل الآخر يكونان ملحوظين باللحاظ الاستقلالي والمعنى الاسمي .
ومن البديهي : أنّه لا يمكن الجمع بينهما في لحاظ واحد وفي استعمال واحد ، حتّى ولو قلنا بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد .
فبناء على هذا : لا بدّ وأن يكون أدلّة الاعتبار ناظرة إلى أحد المعنيين ، ولا يمكن أن تكون ناظرة إلى كليهما . ومعلوم أنّ في قيامها مقام القطع الطريقي المحض لا بدّ وأن يكون التنزيل ناظرا إلى المؤدّى والواقع ، وفي قيامها مقام ما اخذ في الموضوع على أحد الأنحاء الأربعة لا بدّ وأن يكون ناظرا إلى الشكّ والقطع .
وحيث إنّ قيامها مقام القطع الطريقي المحض معلوم ، وهذا هو معنى اعتبارها وحجّيتها فلقيامها مقام ما اخذ في الموضوع على أحد الأنحاء الأربعة لا بدّ من التماس دليل آخر ، وإذ ليس فلا تقوم .
ثمّ إنّه لو كان هناك دليل آخر دالّ على التنزيل الآخر فحينئذ لا فرق بين
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 28
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٢٨