والوثوق بعدم وجود المخصّص .
ولو لم تكن أتعاب جمع كثير من أعاظم المحدّثين - جزاهم اللّه عن أهل العلم خير الجزاء - وتبويبهم الأبواب حسب ترتيب الكتب الفقهية ، وضبط كلّ حديث ورواية راجعة إلى باب ومسألة في ذلك الباب وتلك المسألة لوجب على كلّ مجتهد فحص جميع كتب الحديث لكلّ عامّ أو مطلق أراد أن يفتي على طبقه ، ولا يخفى ما في هذا الأمر من الصعوبة والإشكال .
وقد ظهر ممّا ذكرنا : أنّ مقدار لزوم الفحص هو إلى حصول الوثوق والاطمئنان بعدم وجود المخصّص أو المقيّد لهذا العامّ ، أو لهذا المطلق ؛ لأنّهما المدار في جريان الأصول العقلائية وسيرتهم ، فلا يحتاج إلى حصول العلم بالعدم ؛ لما ذكرنا ، مع أنّ لزوم تحصيل العلم بالعدم لا يخلو عن العسر الشديد .
كما أنّ مطلق الظنّ بالعدم أيضا لا يفيد ولا دليل على اعتباره ؛ لأنّ المناط والميزان في جريان الأصول العقلائية وبناءهم هو ما ذكرنا من حصول الوثوق والاطمئنان ، لا مطلق الظنّ بالعدم كما ربّما يتوهّم .
لا يقال : إنّ العلم بوجود المخصّصات والمقيّدات فيما بأيدينا من الكتب المعتبرة أيضا يدور أمره بين الأقلّ والأكثر ، فينحلّ بالظفر بالمقدار الأقلّ المتيقّن ، فيعود الإشكال .
لأنّا نقول : إنّ مناط تنجّز المحتملات في هذا العلم هو وجود المحتمل في الكتب المعتبرة ، فلا يرتفع تأثير هذا العلم إلّا بالاطمئنان بعدمه في تلك الكتب وفيما بأيدينا من الحجج والأدلّة .
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 661
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٦٦١