وبعبارة أخرى : يكون مطلوبا لنفسه لما يترتّب عليه من الملاك والمصلحة ، لا أنّ مطلوبيته تكون لأجل مطلوبية شيء آخر ؛ بحيث لو لم يكن الشيء الآخر مطلوبا لما كان هذا مطلوبا .
الطريق الخامس : هو حكم العقل بلزوم إتيان المقدّمات الوجودية التي لو لم يأت بها قبل زمان الواجب ، أو قبل حصول سائر شرائط الوجوب لم يكن قادرا على إتيان الواجب ، بعد حصول شرط الوجوب وفي زمان الوجوب .
بيان ذلك : أنّ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف : إمّا عقلية وإمّا شرعية ، سواء كان اعتبار القدرة من جهة حسن التكليف وقبح تكليف العاجز ، أو كان من جهة أنّ حقيقة الأمر هو البعث إلى أحد طرفي المقدور ؛ بحيث يكون التكليف إلى العاجز ممتنعا لا من جهة قبحه حتّى لو جوّزنا على الآمر ارتكاب القبيح لا يجوز مع ذلك توجيه التكليف إلى العاجز . والفرق بين القدرتين هو أنّ القدرة العقلية ليست دخيلة في الملاك ثبوتا ، ولم تؤخذ في متعلّق التكليف إثباتا ، بخلاف القدرة الشرعية فإنّها تؤخذ في متعلّق التكليف إثباتا وتكون دخيلة في الملاك ثبوتا .
فإن كانت القدرة المعتبرة عقلية فالعقل لا يحكم بالعجز إلّا في صورة امتناع إيجاد المأمور به بقول مطلق ، بمعنى أنّه لا طريق له إلى إتيانه بأيّ صورة ؛ لا بتحصيل القدرة حتّى قبل وقت الواجب وقبل حصول سائر شرائط الوجوب ، ولا بحفظ القدرة الموجودة وإبقائها إلى زمان حصول وقت الواجب ووجود سائر شرائط الوجوب .
وإلّا لو كان متمكّنا من إتيان الواجب في زمان وجوبه - ولو بتحصيل القدرة قبل ذلك الزمان أو حفظها إذا كانت موجودة قبل ذلك وإبقائها إلى زمان لزوم امتثال الواجب - فلا يعذّره العقل في ترك ذلك الواجب ، معتذرا بعدم القدرة
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 263
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٢٦٣