بمقتضاها يكون خطور اللفظ في الذهن سببا لانخطار المعنى في الذهن ، وهذه السببيّة الواقعة بينهما لا يمكن أن تنشأ دون مبرّر ، ولهذا وقع البحث عمّا هو المبرّر لهذه العلاقة السببيّة ، وهنا احتمالان ثبوتيان :
الاحتمال الأوّل : انّ المبرّر لهذه العلاقة هي المناسبة الذاتيّة بين اللفظ والمعنى ، أي انّ دلالة اللفظ على المعنى المحسوسة بالوجدان ناشئة عن كون اللفظ بذاته سببا لوجود المعنى ، فالمعنى لازم ذاتي للفظ كما انّ الحرارة لازم ذاتي للنار ، أي انّها ناشئة عن مقام الذات للنار ، ولهذا يستحيل تخلّفها عن النار ، وهكذا الكلام في المعنى بالنسبة للفظ فهو محمول خارج عن ذات اللفظ لازم له وهذا اللزوم ناشئ عن مقام الذات للفظ ، وهو ما يقتضي استحالة تخلّف انخطار المعنى عند اطلاق اللفظ .
الاحتمال الثاني : انّ المبرّر لهذه العلاقة هو عامل خارجي أي انّ العلاقة ليست مقتضاة عن ذات اللفظ والمعنى بل هي ناشئة عن الجعل والاعتبار وهذا هو المعبّر عنه بالوضع .
وهذا الاحتمال هو الذي تبنّاه الأعلام حيث اتّفقوا على انّ منشأ العلقة الواقعة بين اللفظ والمعنى هو الوضع إلّا انّهم اختلفوا فيما هي حقيقة هذا الوضع . فقد ذكر السيّد الصدر رحمه اللّه انّه يمكن تقسيم الاتجاهات في تفسير حقيقة الوضع إلى اتّجاهين :
الاتّجاه الأوّل : يفسّر العلاقة بين اللّفظ والمعنى على أساس انّها ملازمة واقعيّة تكوينيّة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له اللفظ ، فهي نظير الملازمات الواقعيّة التكوينيّة الثابتة بين شيئين أو أشياء ، كالملازمة بين زوجيّة العدد والانقسام إلى متساويين ، فإنّ هذه الملازمة ثابتة في نفس والواقع ، وهكذا الحال في العلاقة بين اللفظ والمعنى ، غايته انّ الملازمة الذاتيّة التكوينيّة ثابتة من الأزل ، وأمّا الملازمة بين اللفظ والمعنى فإنّها وان كانت واقعيّة تكوينيّة إلّا انّها ناشئة عن الجعل والاعتبار ، وهذا لا
المعجم الأصولى — صفحة 609
مساهمون: الشيخ محمد صنقور علي البحراني
ص٦٠٩