فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّ المانع من جريان الأصول في أطراف الشبهة المحصورة ليس إلّا لزوم المخالفة العمليّة للتكليف المعلوم في البين ، وحيث إنّ الاستلزام واللزوم إنّما هو فيما لو وقع الترخيص في جميع الأطراف ، وأمّا الترخيص في بعضها فلا محذور فيه من هذه الجهة ، فحينئذٍ يقع الكلام في أنّه هل هنا شيء يمكن أن يستفاد منه الترخيص في بعضها أم لا ؟
الكلام في الموافقة القطعيّة
فنقول : لا بدّ أوّلًا من بيان أنّ العلم الإجمالي هل يكون علّة تامّة بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية أم لا ، بل لا يكون فيه إلّا مجرّد الاقتضاء ، ثمّ على فرض الاقتضاء لا بدّ من ملاحظة الأدلّة العامّة المرخّصة وأنّه هل يستفاد منها الترخيص بالنسبة إلى بعض الأطراف أم لا ؟ وأمّا على القول بالعليّة فلا مجال لهذا البحث ، لأنّه لو فرض دلالتها على الترخيص فيه فلا بدّ من رفع اليد عنها ، للحكم العقلي القطعي بخلافها .
إذا ظهر لك ذلك نقول : قد عرفت أنّ العلم الإجمالي قد يكون متعلّقه هو التكليف الفعلي الواقعي الذي لا يرضى المولى بمخالفته أصلًا ، وقد يكون هو التكليف الثابت بإطلاق الدليل أو عمومه أو بقيام أمارة معتبرة وحجّة شرعيّة .
ففي الأوّل لا مجال للترخيص ولو كان بالنسبة إلى بعض الأطراف من غير فرق بين الشبهة المحصورة وغيرها . وفي الثاني لا محذور في الترخيص أصلًا ولو بالنسبة إلى جميع الأطراف ولا تلزم مناقضته أصلًا .
أمّا على تقدير عدم مصادفة الأمارة وعدم كون الإطلاق أو العموم مراداً