والعقاب والطاعة والعصيان بها ، إنّما يقضى بوجوب تحصيل مؤدّى تلك الطرق والعمل عليها ، فإن أمكن العلم وإلّا قام الظنّ مقامه ، فإنّ الشارع قد حدّ حدودا وقرّر طرقا لمعرفة الأحكام والموضوعات ، وتوعّد على من تعدّى عن حدوده بأبلغ التهديدات ، فهل يحكم العقل إلّا بإحرازها والمنع عن التعدّي عنها ؟ وأيّ فرق في نظر العقل بين الأقسام الثلاثة المشار إليها من الطرق ؟ لاشتراكها في إناطة التكليف الفعلي بها ودوران الإطاعة والعصيان عليها ، ويجمعها الطرق المرضيّة ، فيجب تحصيلها بطريق اليقين ثمّ الظنّ ، من دون اختصاص للحكم بالطريق المنصوب ، حسب ما فصلّنا القول في ذلك فيما مرّ .
[ وجوه الفرق بين كلامي صاحب الفصول والهداية ]
وقد سلك نحو المسلك المذكور عمّي العلّامة قدّس سرّه في فصوله في الجواب عن الدليل المذكور ، إلّا أنّك قد عرفت فيما قدّمناه وجوه الفرق بين المسلكين ، ومن جملتها أنّ كلام المصنّف قدّس سرّه سيّما قوله « إذ لا بدّ من طريق يوافق رضاه ، وهو المراد من الطريق المقرّر » صريح في إرادة القطع بمطلق الطريق المرضي ، فلا مجال لإنكاره أو إنكار بقاء التكليف بالعمل به ، لأنّه من لوازم بقاء التكليف .
وصاحب الفصول قدّس سرّه إنّما بنى كلامه على إثبات الطريق المجعول ، حيث أجاب في المقام عن الدليل المذكور بعلمنا بعد مراجعة السمع بأنّ الشارع قد نصب في حقّنا أدلّة مخصوصة ، وكلّفنا بالعمل بمقتضاها ، غاية ما في الباب أنّ تلك الأدلّة غير معلومة عندنا على التعيين والتفصيل ، فيجب علينا الاعتماد في معرفتها على الظنون الناشية منها ، قال : نعم يتمّ الدليل المذكور إن ثبت من السمع بقاء التكليف بالأحكام الفرعيّة بعد انسداد باب العلم إليها ، ولم يثبت منه نصب طريق مخصوص إلى معرفتها لا إجمالا ولا تفصيلا ، أو ثبت ذلك ولم يثبت بقاء حكمه بعد انسداد باب العلم إليه ، والأوّل مخالف لما عرفت بيانه في الوجه الأوّل ،