اعتبار الظنّ ولو في الجملة ؟
ومنها : أنّه لو فرضنا العلم بنصب الظنّ طريقا في الجملة فمن أين يعلم كون المنصوب أرجح الظنون المفروضة ؟ لإمكان وجود المصلحة الواقعية في المرجوح منها دون الراجح ، أو وجود المفسدة في الراجح دون المرجوح ، أو غلبة الإصابة في المرجوح دون الرّاجح عند علّام الغيوب ، فيكون أحد الوجوه المذكورة إذن باعثا على ترجيح المرجوح في نظرنا ، كما وقع مثله في موارد كثيرة سيّما في طرق الموضوعات .
فالمقصود من بطلان الترجيح بلا مرجّح عدم جواز الترجيح مع عدم العلم بالمرجّح ، لا عدم وجود المرجّح في الواقع . ومن المعلوم أنّ ذلك لا بتعيين المنصوب في الواقع ، إنّما يقتضي حكم العقل به في الظاهر ، فكيف يثبت بذلك المجعول الشرعي ؟ اللهم إلّا أنّ يدّعى الإجماع في ذلك ، فيخرج بذلك عن الدليل العقلي .
وإذا بطل الوجه المذكور تعيّن القول بأنّ الحاصل من المقدّمات المذكورة حكم العقل بقبح الاكتفاء بما دون الامتثال الظنّي وقبح المؤاخذة على العمل بالظنّ والمطالبة بأكثر منه ، فيجري الظنّ في حال الانسداد مجرى العلم في حال الانفتاح في عدم كونه من مجعولات الشارع ، وكما أنّ وجوب الإطاعة وحرمة المعصية من الأحكام العقليّة بعد صدور الأوامر والنواهي من الشارع ، وليس بتكليف مستقلّ يستتبع ثوابا وعقابا آخر ، مع كونهما أخصّ من الموافقة أو المخالفة الواقعية من وجه ، فكذا الحال في كيفية الإطاعة والمعصية ،
والملازمة بين حكمي العقل والشرع بمعنى الرّضا والتقرير مسلّمة ، وبمعنى الجعل موقوفة على قابلية المورد للجعل ، وحينئذ فحكم العقل باعتبار
شرح هداية المسترشدين ( حجية الظن ) — صفحة 296
مساهمون: محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
ص٢٩٦