Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 481

Contributors:

P.481
إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام وقولهم عليهم السلام كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وقوله عليه السلام الشك بعد الانصراف لا يلتفت إليه وقولهم لا تنقض اليقين بالشك أبدا وإنما ينقضه بيقين وذلك أن الأنظار العقلية إذا كانت مادة الفكر فيها وصورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل به لأنه معصوم عن الخطاء ولا شك أن مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الأصول المأخوذة عن الأئمة عليهم السلام خاصة وهو عين مذهب الأخباريين وخلاف دعوى الأصوليين قلت من البين أن تفريع الأحكام على الأصول المأخوذة عن أهل العصمة إما أن يكون بإثبات تلك الأحكام للجزئيات الظاهرة الاندراج أو للجزئيات التي يتأمل في اندراجها تحت أي من تلك القواعد ويتوقف اندراجها في خصوص بعضها على البحث والنظر أو بإثبات اللوازم المتفرعة على الملزومات المأخوذة عنهم عليهم السلام وحينئذ فقد يكون اللزوم بينا وقد يفتقر إلى البيان فقد يكون المنهي له العقل أو النقل أو الملفق منهما أو ظاهر تلك الأخبار تعميم ذلك الجميع ومن البين حينئذ أنه لا يلائم طريقة الأخباريين وتخصيصها بالصورة الأولى خروج عما يقتضيه إطلاق تلك النصوص بل ربما يقال بعدم عد ذلك تفريعا فإن تلك الصّور الجزئية هو نفس ما ذكر في تلك القواعد الكلية لظهور أن المحكوم عليه في القضايا الكلية هو خصوص كل من الجزئيات فإثبات الحكم لكل منها من جهة الأخذ يعين النصوص لا التفريع على المنصوص ومع الغض عن ذلك فلا ينفك ما ذكر أيضا من استعمال الظن لظهور احتمال التخصيص في تلك العمومات فالقول بخصوص العصمة من الخطاء بمجرد الأخذ بظواهر تلك العمومات والإطلاقات كما ترى ومنها الأخبار الكثيرة الدالة على الرجوع إلى المرجحات الظنية عند تعارض الأخبار المأثورة ليتميز الصحيح منها عن السقيم والمقبول من المردود ومن البين أن ذلك من أعظم موارد الاجتهاد فإن تمييز المعول عليه من الأخبار من غيرها قد يشكل جدا وقد دلت الأخبار المذكورة على الرجوع في التميز إلى وجوه ظنية والمستفاد من جميعها بعد الجمع بينها هو الأخذ بالراجح من حيث المفاد والسند وما قد يتوهم من أن المرجحات المذكورة إنما هي لأجل تمييز الخبر الوارد من جهة التقية من غيرها وأن جميع أخبارنا المذكورة في الكتب المعتمدة قطعي الصدور من الأئمة عليهم السلام واضح الفساد حسبما مرت الإشارة إليه مضافا إلى أن في تلك الأخبار شهادة على خلافه إذ الرجوع إلى الأعدل وترجيحه على غيره لا ربط بالجهة المذكورة وكذا الحال في عدة من المرجحات المقررة كما لا يخفى على المتدبر ومنها ما دل من الأخبار على حجية قول الثقة والاعتماد على نقله إذ من البين أن الوثاقة لا يبلغ إلى درجة العصمة حتى يمتنع في شأنه الخطاء والغفلة كيف وقد وقع من أعاظم الثقات من السهو والاشتباه في أسناد الروايات ومتونها ما لا يخفى على المتتبع في الأخبار سيما كتابي التهذيب والإستبصار مضافا إلى ما عرفت من الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر ومن الظاهر أنه بمجرده لا يفيد العلم بحصول العدالة فلو سلمنا قضاء تلك الصفة بعدم وقوع الكذب والغفلة والزيادة والنقيصة من المتصف بها فكيف يعقل القول بقضاء الظن بها للعلم بذلك ومنها غير ذلك من الأخبار المتكثرة الدالة على حجية أخبار الآحاد حسبما فصل في محله فالملخص من ملاحظة مجموع الأخبار المذكورة القطع بحجية الظن في إثبات نفس الأحكام الشرعية وكون كل واحد من تلك الروايات ظنيا لا يقدح في المقصود بعد كون القدر الجامع بينها قطعيا على أنهم يدعون قطعية الأخبار فكل واحد منها حجة قاطعة بالنسبة إليهم هذا وقد زعمت الأخبارية عدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية وحكموا بخطرها في الشريعة لشبهة واهية وشكوك ركيكة واضحة الفساد غير صالحة للاعتماد عند من له مسكة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها أنه لا دليل على جواز العمل بالظن فلا وجه للرجوع إليه والتعويل في استنباط الأحكام عليه وفيه أنه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظن من غير قيام دليل عليه وما ادعى من انتفاء الدلالة في المقام فهو بين الفساد كيف ولو لم يكن هناك دليل على حجية سوى انسداد سبيل العلم وانحصار الطريق في الظن مع القطع ببقاء التكليف لكفي في القطع بحجيته مع أن هناك أدلة خارجية على حجية عدة من الطرق الظنية كما قرر في محله وقد اعترف الأخباريون بحجية قول الثقة وجواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية كما دلت عليه عدة من النصوص مع أنه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظن ودعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع كما صدر من جماعة منهم مما يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين فكيف مع ثبوتها بحسن الظاهر ومنها أن العمل بالظن مما يستقل العقل بقبحه فيستحيل تجويز الشرع له ووهنه ظاهر فإنه إن تم ذلك فإنما يتم بالنسبة إلى الاعتماد على الظن من حيث إنه ظن وأما مع أوله إلى العلم وانتهائه إلى اليقين فكلا وكيف يتوهم ذلك ولا عمل حينئذ إلا بالعلم ومن البين أن المسائل الفقهية إنما يراد لأصل العمل ومن الظاهر أيضا أنه بعد قيام الدليل القاطع على وجوب العمل بمؤدى الأدلة الظنية يكون العمل حاصلا على وجه اليقين دون الظن والتخمين كيف ولولا ذلك لم يجز بناء الشرع على الأخذ بالظن أصلا لعدم جواز الاستثناء في القواعد العقلية مع أن جواز العمل بالظن في كثير من المقامات كالحكم بالشهادات والاعتماد على أخبار ذي اليد ونحوهما مما لا كلام في وروده في الشرع بل وكذا الحال بالنسبة إلى دلالة الألفاظ لقيام الإجماع على جواز الاعتماد فيها على الظنون وكذا الحال في جواز الاعتماد على قول الثقة كما دلت عليه روايات عديدة ومنها ما ذكر بعض المحدثين من أن المتقدمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد والتقليد ولا يجزون العمل بغير الكتاب والسنة من وجوه الاستنباط الظنية ومن المعلوم أن طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمة ولأحاديثهم المتواترة فإن شذ منهم شاذ عيانا أنكر عليه الأئمة إن كان في ظهورهم وفي هذه الطريقة مباينة لطريقة العامة متباينة كلية وطريقة المتأخرين موافقة لهم لا تخالفهم إلا نادرا وناهيك بذلك دليلا على تحقيق الحق من الطريقتين ثم قال وبالجملة فقدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية وعدم جواز العمل بالاستنباطات الظنية كان معلوما من مذهب المتقدمين من الإمامية إلى زمان العلامة بل كان معلوما عند العامة والخاصة أنه من اعتقادات الشيعة وقد نقلوه عن أئمتهم لتواتر النص بذلك عنهم وهذا كما ترى يفيد دعوى إجماع الشيعة الكاشف عن قول الأئمة على بطلان الاجتهاد
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 481 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني