Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 402

Contributors:

P.402
مما يكتفي به في معرفة الأحكام بحيث لا يلزم مع الاقتصار عليه الخروج عن الدين فلا بد إذن من الرجوع إلى غيرها وليس هناك دليل قاطع على حجية ظن بالخصوص فيتساوى بقية الظنون في ذلك إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول قضية المقدمة الأولى والثالثة انتقال التكليف إلى العمل بغير العلم وإلا لزم التكليف بغير المقدور وقضية المقدمة الثانية كون الرجوع حينئذ هو الظن إذ هو الأقرب إلى العلم في تحصيل الواقع بل نقول إنه بمنزلة بعض منه إذ الاعتقاد يتكامل إلى أن ينتهي إلى حد اليقين فإذا تعذر القدر الزائد وجب مراعاة ما دونه وهكذا ولذا يجب مراعاة أقوى الظنون فالأقوى من غير فرق بين الظنون المخصوصة وغيرها إذ تخصيص بعض بالحجية دون الباقي ترجيح من غير مرجح فيتساوى الجميع إلا أن يقوم دليل على المنع من العمل ببعضها فإن قلت إن قضية الدليل المذكور حجية أقوى الظنون مما يمكن تحصيل أكثر الأحكام به بحيث لا يلزم من الاقتصار عليه الخروج عن الدين لكونه الأقرب إلى العلم فلا يثبت به حجية ما دونه من مراتب الظنون فإن نسبتها إلى ذلك الظن كنسبة الظن إلى العلم فالقائم مقام العلم هو تلك المرتبة من الظن دون ما دونه من مراتب الظنون فإن نسبتها إلى ذلك الظن كنسبة الظن إلى العلم فالقائم مقام العلم هو تلك المرتبة في خصوص بعض المسائل لا يقضي بحجية ما دونه من المراتب وعدم حصول تلك المرتبة في خصوص بعض المسائل لا يقضي بحجية ما دونها إذ ليس ترك العمل بها إذن خروجا عن الدين وأيضا بعد بطلان احتمال الترجيح بين الظنون نظرا إلى انتفاء المرجح لا يتعين الأخذ بالجميع بناء لاحتمال البناء على التخيير وأيضا الأخذ بالجميع أيضا ترجيح لأحد المحتملات من غير مرجح إذ كما يحتمل حجية البعض دون البعض كذا يحتمل حجية الجميع فكما أنه لا مرجح لحجية البعض كذا لا مرجح لحجية الكل قلت أما الأول فمدفوع لوضوح بطلان احتمال المذكور لإطباق العلماء على خلافه فلذا يؤخذ بطلانه في الاحتجاج لكونه مفروغا عنه في المقام ومع ملاحظة ذلك يتم ما ذكر من التفريع وأما الثاني فبأن احتمال التخيير بين الظنون مدفوع وباستحالته فإن تعارض الظنين كتعارض العلمين غير ممكن إذ مع رجحان أحد الجانبين يكون الآخر وهما فإن ما يعقل تعارض بين الظنين وهو غير محل الكلام ومع الغمض عن ذلك فالبناء على التخيير بين الظنون ما لم يقل به أحد في المقام فهو مدفوع بالإجماع ولو أريد به التخيير في القول بحجية أنواع الظنون المتعلقة بالمسائل المختلفة بأن يكتفي ببعضها مما يتم به نظام الأحكام بحيث لا يلزم معه الخروج عن الدين فيتخير حينئذ في تعيين ذلك البعض وترك غيره فهو وإن أمكن تصويره في الخارج إلا أنه بين الفساد أيضا بالإجماع بل الضرورة وأما الثالث فبأن الثابت من الدليل المذكور مع قطع النظر عن المقدمة الأخيرة هو حجية الظن في الجملة وحيث لا دليل على اعتبار خصوص بعض الظنون دون غيره وكان في الطرق الظنية متساوية في نظر العقل مع قيام الضرورة على الأخذ بالظن لزم مراعاة نفس المظنة من غير اعتبار لخصوص مأخذه لعدم إمكان اعتبار من جهة بطلان ترجيحه من غير مرجح لزم اعتبار كل ظن فالأقوى حسب ما أوردنا فليس ذلك ترجيحا لحجية الجميع عند دوران الأمر بينها وبين حجية البعض من غير مرجح قول به من جهة قيام الدليل عليه كما عرفت هذا ويمكن الإيراد على الدليل المذكور بوجوه أحدها منع المقدمة الأولى بأن يقال المراد ببقاء التكليف والمشاركة مع الحاضرين في التكليف أما التكاليف الواقعية الأولية أو التكاليف الظاهرية المتعلقة بالمكلفين بالفعل في ظاهر الشريعة بأن يكونوا مخاطبين فعلا على نحو خطابهم والأول مسلم إلا أنه لا يفيد كوننا مكلفين بها فعلا وإنما يفيد تعلقها بناء على فرض اطلاعنا عليه وعلمنا بها إذ ليست التكاليف الواقعية إلا خطابات شافية وإنما يتعلق بالمكلفين فعلا إذا استجمعوا شرائط التكليف حسبما فصل في محله والثاني ممنوع بل فاسد ضرورة اختلاف تلك التكاليف باختلاف الآراء ألا ترى أن كل مجتهد ومقلد مكلف بما أدى إليه اجتهاده مع أن بين المجتهدين من الاختلافات الشديدة في المسائل فلسنا مكلفين فعلا بجميع ما كلفوا به كذلك قطعا والحاصل أن المشاركة في التكاليف الواقعية الأولية لا يفيد تكليفا بها فعلا حتى يندرج بعد انسداد باب العلم بها إلى الظن والمشاركة في التكاليف الظاهرية العقلية ممنوعة بل باطلة فكونهم مكلفين ظاهرا بالتكاليف الواقعية لتمكنهم من تحصيل العلم لا يقضي بكوننا مكلفين بتلك الأحكام حتى يتنزل بعد انسداد باب العلم بها إلى ظنها إذ قد يكون تكليفنا الظاهري حينئذ أمرا آخر وفيه أن الحكم الظاهري التكليفي هو الحكم الواقعي في نظر المكلف ويجب اعتقاده وليس حكما آخر متعلقا بالمكلف مع قطع النظر عن انطباقه مع الواقعي ليقابل سقوط الأول وثبوت الثاني بل إنما يثبت الحكم الظاهري من جهة ثبوت التكليف بالواقع وعدم سقوطه عن المكلف فيضطر إلى تحصيل الواقع فيكون ما حصله حكما ظاهريا متعلقا به فعلا فإن طابق الواقع بحسب الواقع كان واقعيا أيضا وإلا كان ظاهريا محضا قائما مقام الواقع وبه يسقط تكليفه بالواقع بالنظر إلى الواقع وإن كان مكلفا به في الظاهر معتقدا كون ما يأتي به هو الواقع فليس الحكم الظاهري أمرا ثابتا استقلالا مع قطع النظر عن ثبوت التكليف بالواقع وكونه هو الواقع وإلا لكان ذلك أيضا حكما واقعيا مستقلا نعم قد يكون الحكم الظاهري بالنسبة إلى المكلف أمرا مخالفا للواقع مع العلم بمخالفته كما إذا لم يتمكن من استعلام المجمل ولم يكن له طريق الخروج عن عهدة التكليف به فإنه يرتفع عند ذلك التكليف في الظاهر ويحكم ببراءة ذمته مع علمه بخلافه وقد يكون مع الظن أو الشك في المخالفة كما إذا دار العمل بين الوجوب والندب وظن كونه واجبا من غير طريق شرعي أو شك فيه فإنه يبقى الوجوب بالأصل ويحكم بالاستحباب مع عدم الظن بكونه واقعيا لكن ذلك كله في مقام رفع الحكم والتكليف لا في مقام إثبات الحكم وإن لزمه ثبوت حكم شرعي ظاهرا في الأخيرين وذلك في الحقيقة طريق شرعي للحكم بكونه الواقع بالنسبة إلى ذلك المكلف وإن لم يثبت به الواقع لا علما ولا ظنا فإن الطريق إلى الحكم بالشيء شرعا غير الطريق إلى نفس ذلك الشيء يعرف ذلك بملاحظة الطرق المقررة للموضوعات فإنه إنما يستفاد منها الحكم شرعا بثبوتها إلا أنه هناك اعتقاد بحصولها في الواقع والمقصود هو الأول وهو المراد بكون شيء طريقا إلى الواقع ويتفرع عليه
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 402 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني